الأرشيف

جرائم بحق الكلمة والوطن

[جريدة القبس 4/12/1991]

نتغنى كثيراً بحب الوطن.. وحب تراب الوطن.. ونموت ويحيا الوطن.. وحين عاد الوطن.. أثبتنا أننا جميعاً بحاجة إلى ثقافة عميقة في حب الوطن.. وخاصة بعد أن علمتنا التجربة أن القصور والفنادق التي أوينا إليها خارج الوطن.. كانت كالسجون ونحن بلا وطن.. فالمحن حين تشتد.. ويصبح الصراع معها شرساً لأجل حفظ الوطن.. تتأجج المشاعر.. ويقوى الرباط بين المواطن والوطن.
ولكن كيف نحب الوطن!!…
نحب الوطن.. حين لا نهتف لتأمين مستقبلنا خارج الوطن.. بل بقطع الطريق على كل المعوقات التي من شأنها أن تهدد مستقبل الوطن.. فالوطن قبل أن يكون أهزوجة أو طرباً.. هو امتداد للأجداد.. لرجال البحر الذين حملوا الكويت على أكتافهم قبل أن يكون هناك واجهة بحرية.. أو ناد للتزلج!! والوطن هو كرامة الأبناء.. شباباً كانوا أم أطفالاً.. أولئك الذين أعادوا للأجداد الطمأنينة وهم في قبورهم.. وأثبتوا أنهم أهل للذود عن هذا الوطن.. أم أننا يا ترى قد نسيناهم بعد انتهاء دورهم.. وبعد أن استجدت ظروف الإعمار؟!
فحب الوطن حين تكون الأمانة والصدق نهجنا في التعامل وفي خدمة الوطن.. فالأمانة والصدق هما نتاج مسيرة طويلة انتهجتها المجتمعات المتطورة في ترسيخ مفهوم الأخلاقيات المجتمعية.. فنحن لسنا بحاجة لمراسيم وإجراءات لفرض تلك الأخلاقيات.. بقدر ما نحن بحاجة إلى توثيقها عبر الممارسة الفعلية.. وحتى تصبح جزءاً منا.. فالمسؤول الذي لا ينتهج الصدق في ممارساته وتصريحاته.. إنما هو نتاج لمجتمع أغفل تلك القيم الراقية.. وتنازل عن حقه في آن تصبح أساساً لأي نقاش يطرح.
فحب الوطن.. حين يوأد الفساد والارتشاء.. حتى لا يصبحا مع مرور الزمن جزءاً من أخلاقيات هذا الوطن.. فما هما إلا مظهر من مظاهر غياب الأخلاقيات في المجتمع.. وما هما إلا مظهر صارخ للتخلف.
نحب الوطن.. حين نمارس الدين بتلك الأخلاقيات التي لولاها ما قامت الدولة الإسلامية المتقدمة.. أخلاقيات ترتبط بقيم العمل، والأمانة، والعطاء، والإنتاج، والصدق.. وهي في مجملها أسس ترتكز عليها الكثير من الدول المتقدمة غير المسلمة.. ولتصبح تلك الأخلاقيات هي ما نختلف حول فرصه وجدواه.
فحب الوطن.. حين تأخذنا الرأفة بعقول أطفالنا.. وهم استثمارنا المستقبلي.. بأن لا نزجهم في زخم من التفاهات.. ولا أقول المسرحيات.. فالفن هو تسجيل لتاريخ الشعوب.. وهو المرأة التي تعكس مرحلة ما.. من حياة شعب ما.. أي بمعنى آخر هو انعكاس لتفاعل فنان أو مسرحي مع ما يمر به مجتمعه.. ومسرح الطفل جزء من ذلك الفن.. إن لم يكن أهم جزء فيه.. باعتبار أن للطفل قدرة استيعابية تفوق قدرة الكبير، ولا أتصور أن هناك من يشك في أن ما نقدمه للطفل من مسرح.. وعلى وجه الخصوص في هذه المرحلة الحرجة.. فيه عطاء جدي وغني لإثراء عقل الطفل.. فكل ما هو قائم انعكاس بشع للوضع الاستهلاكي في هذا الوطن.. والذي لم يسلم فيه حتى مسرح الطفل!!
فحب الوطن.. حين لا نخونه في لحظاته الحرجة.. فلا نعبث بما تبقى له من أمواله.. فالوطن أحوج ما يكون الآن لشعب يدرك مفهوم ترشيد الإنفاق.. وأفراد هذا الوطن ما زالوا يتبنون ترشيد الإنفاق بنظرة استهلاكية بحتة.. ترمي إلى تأمين مستقبلي بعيد عن تراب ومستقبل الوطن.. والترشيد في الإنفاق لا يكون إلا بوضع رسم تصويري.. وميزانية واضحة.. حتى يمكن التحكم والحكم على ما ينفق.. مقابل ما ينتج.. فالوطن في إنتاجه واستهلاكه أشبه ما يكون بالمؤسسة.. والتي لا يمكن حساب مدخلاتها من مخرجاتها دون وضع ميزانية واضحة وخاصة بها.
فحب الوطن.. عبر التزامنا بالكلمة الحرة الصادقة من أجل خدمة كافة قضايانا وأهدافنا المشتركة.. والحجر على أي كلمة يكون وراءها رأياً يخدم فئة أو فرداً.. فوقع الكلمة أهم وأقوى من أن يكون للجميع حق في استخدامها.. فلا يكون الحق إلا لمن يراه الوطن من أفراده أهلاً له.. وأميناً عليه.. وقد تكون الأحداث التي عصفت بهذا الوطن خير دليل.. وأقوى برهاناً.. إن المتاجرة بالكلمة فيها هتك لحقوق أفراد هذا الوطن.. فكم من الحقائق البشعة التي زينتها أقلام المتاجرين بالكلمة قبل أن تتلقاها عقول أفراد هذا الوطن.. وكم من شعوب أبادها ودمر مستقبلها أولئك المتاجرين بالفكر.
نحب الوطن.. حين تدخل النهضة الثقافية إلى كل بيت وكل مدرسة.. حتى تتضاءل سعة الهوة بين تطورنا المادي.. والثقافي.. وحتى يكون لما نعمله لأبنائنا في المدارس صدى في حياتهم اليومية.. وإسدال الستار عن اتباع سياسات تعليمية لا تنتمي إلى واقعنا وحياتنا في هذا الوطن فالثقافة الحق هي القدرة على التفكير والتمعن في ما نقرؤه ونتعلمه.. وهو أمر يتحتم علينا غرسه في أطفالنا مع أولى درجات التعليم.
نحب الوطن.. في مراعاتنا لحقوق الإنسان.. ومتابعة الدفاع عن حقوقه من خلال القنوات الرسمية وغير الرسمية.. وتقصي الحقيقة قبل الحكم.. فلا يخشى الظلم إلا من كابده.. ونحن في هذا الوطن ذقنا ألم الظلم.. وقسوة وقوعه.. وأولى بنا الآن أن نلتزم أكثر من أي وقت مضى في التمييز بين من تجب ومن لا تجب عليه العقوبة. فلولا مراعاة الغير لحقوق الإنسان لبقينا بلا وطن!!
نحب الوطن.. حين نتوخى الحيطة ونحن نعيد بناء مجتمعنا سكانياً.. فلا نعيد صياغة أخطائنا السكانية.. ليفتح ذوو الضمائر الضعيفة أبواب الوطن لكل ساع في طلب الرزق مقابل أرصدة متخمة في البنوك.. فتنتهك معها حقوق الإنسان وحقوق الوطن.. وتمتلئ شوارع الوطن بالباحثين عن الرزق.. تحت ظروف حياتية صعبة.. قد تضاعف معدل الجرائم في هذا الوطن.
نحب الوطن.. بالمزيد من الممارسة الديمقراطية.. حتى نقوّم انحراف الديمقراطية ذاتها. وحتى لا تختنق الحريات.. وتفسد الضمائر.. ويغيب العدل مع غياب الرقيب.. وحتى نحفظ الاستقرار للوطن.. ونذود به عن المزيد من المعاناة والألم.. فليس من علاج لأخطاء الديمقراطية إلا بالمزيد منها.
هذا هو الطريق والأسلوب في حب الوطن.. تجمعنا الكثير من أساسيات حب الوطن.. التي لو احترمنا أنفسنا لطبقناها دون الحاجة لذكرها أو كتابتها.. والوطن أحوج ما يكون لذلك الأسلوب من الحب.. فأمواله مبعثرة.. وآلامه مُبرحة.. فرأفة بالشهداء الذين رووا التراب بالدم الطاهر.. ورفقاً بمواطن تشبث بتراب وصخور وأشجار الوطن.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى