الأرشيف

قنوات الفساد

[جريدة القبس 20/9/1999]

إذا كانت تفاصيل التلاعب الذي حدث في مشروع قصر الضيافة الكائن في بيان قد أثارت استياء المواطن وحزنه وأسفه، فإن الإجراءات المتخذة بشأن ذلك التلاعب قد أثارت حزناً وأسفاً أكثر!
قصر الضيافة هذا، جاء، وكما نعلم، بناء على رغبة أميرية في إقامة مقر مناسب لاستقبال قادة دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع قمتهم الذي استضافته الكويت في ديسمبر 1997، حيث تم، وفي فترة وجيزة لا تتعدى أربعة الأشهر، تم صب خمسة آلاف متر مكعب من الخرسانة المسلحة، وتركيب أكثر من 1500 متر طولي من الحوائط الأسمنتية سابقة الصب للسور الأمني، وتوريد وتركيب أكثر من عشرة آلاف متر مربع من تكسيات الرخام والحجر الطبيعي، إضافة إلى خمسة عشر ألف متر مربع من طوب الرصف للساحات الخارجية! كما تم زرع أكثر من خمسمئة شجرة ونخلة حول مختلف أجزاء المشروع، إضافة إلى زراعة مساحات كبيرة من الحشائش الخضراء، كذلك تم تركيب أعداد كبيرة من وحدات الإنارة الداخلية والخارجية إلى جانب ما لا يقل عن ثمانين معلقة من الكريستال ازدانت بها قاعات وصالات مبنى الاحتفالات الكبرى! وقد أشرفت على المشروع آنذاك لجنة طوارئ وذلك للتعجيل بالمهمة واستقبال القادة الخليجيين في الوقت المحدد!
ويقال إن الأسلوب المتميز في إدارة المشروع قد حقق وفراً مادياً بلغ أربعة ملايين دينار كويتي عن الميزانية التي تم رصدها واعتمادها من قبل وزارة المالية!
غير أن طموحات (البعض) دفعتهم، على ما يبدو، للمضي في روح العجالة والسرعة التي استدعتها ظروف المرحلة السابقة، فكان أن أصرت لجنة الطوارئ على التمسك بصفتها الاستثنائية تلك والبدء دون دراسة وافية ببناء الدور الثالث للقصر وما تبعه من تكسير وهدم، افتقد لأدنى قدر من التقنية والشروط الهندسية بحضور وتحت سمع وبصر مهندسي وزارة الأشغال!
المبنى الآن، وكما تابع الجميع، سيهدم ويعاد بناؤه مع ما يحمله ذلك من ضياع 14 مليون دينار على الدولة! والمثير للأسف هنا ليس حجم المبلغ وحسب، وإنما في استمرار الإجراءات القاصرة التي لا نزال نتبعها في محاربة الفساد والتي دائماً ما تطال القشور دون المساس بجوهر قضايا السرقات وفساد الذمم والفساد بشكل عام.
إن الفساد قضية، لا يجب اختزالها في أفراد وحادثة قصر الضيافة ببيان، لا يجب أن تكون قاصرة على أفراد حتى وإن ثبت ضلوعهم في ما حدث، ولا على وزارة أو جهة معينة حتى ولو كانت الجهة المسؤولة في الحادثة! لذا فإن سحب المشروعات من وزارة الأشغال ليس حلاً ولن يكون، ما لم يسبق ذلك بحث في تلك القنوات التي مكنت العابثين من المضي في عبثهم والمفسدين من الاستغراق في فسادهم! فعلى سبيل المثال، في حادثة قصر الضيافة من المهم جداً معرفة القنوات التي استطاعت من خلالها لجنة منتهية الصلاحية إصدار تعليمات بتكسير القبة وبناء الدور الثالث! ومن المهم أيضاً الاطلاع على الأسباب التي منعت مهندسي الأشغال من الاعتراض على أعمال التكسير التي تمت بطرق غير فنية إطلاقاً، وكذلك من المهم بمكان معرفة القنوات التي استطاع البعض أن يمرر من خلالها مواد بناء لا تحمل مواصفات عالية، وذلك في بداية تنفيذ المشروع، خاصة بعد أن أكد مصدر مسؤول في وزارة الأشغال أن مشروع قصر الضيافة وما شابه من عيوب هندسية وتصميمية كان نتيجة لإهمال المسؤولين في الوزارة الذين لم يضعوا في حسبانهم ضرورة تنفيذ هذا المشروع منذ بدايته بواسطة أرقى المواد العالمية وعلى أيدي محترفين في هذا العمل لأنه مشروع غير عادي وفي مكان غير عادي!
إن تجاهل تلك القنوات يعني فساداً مستمراً وحوادث مشابهة أكثر، وإهداراً للمال العام وحق الأجيال الحاضرة والقادمة! هذا بالإضافة إلى نفوذ أوسع وأمتن لأصحاب الذمم الفاسدة والوضيعة!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى