
بينما تتقاذفنا نيران التراشق بين المجلس والحكومة، وبينما نحن نتابع “اختلافات” الوزراء فيما بينهم حول الاستقالة، ونسمع عن الانقسام النيابي حول “عدم التعاون”، وبينما تتجمد الأزمة في مكانها ويغيب التنسيق!! وجدت ضالتي في الخروج من هذا المناخ الكتيب في كتاب أهداني إياه مشكوراً الأخ العزيز عادل علي الخبيزي يتناول فيه استراتيجية إدارة الأزمات من منظور ناضج وعلمي مع بعض التطبيقات على الواقع الكويتي!!
والكتاب الذي هو من إعداد الأخ عادل الخبيزي لا يحوي سحراً بل منطقاً كان ولا يزال غائباً عن مجتمعنا السياسي والإداري!! والأخ عادل ليس جنرالاً في الجيش ولا وزيراً سابقاً للتخطيط، ولا نائباً مخضرماً وإنما هو مواطن كويتي أحرقته كما تحرقنا جميعاً نار التخبط والفوضى السائدة والتي خلفتنا بأزمات طائلة كان أقساها وأمرها تجربة غزو النظام العراقي للوطن!! وهو لا يملك قراراً بقدر ما يحتضن ضميراً حياً شأنه شأن كثير من أهل هذه الأرض الذين سجلوا صموداً في وجه آلة الحرب والإرهاب إبان الغزو فاستشهدوا وأسروا ودافعوا عن التراب والسماء!!
في بداية الكتاب يقدم الأخ عادل تعريفاً لمفهوم الأزمة: يقصد بالأزمة من الناحية الاجتماعية توقف الأحداث المنتظمة والمتوقعة واضطراب العادات والعرف مما يستلزم التغيير السريع لإعادة التوازن ولتكوين عادات جديدة أكثر ملاءمة. أما الأزمة من الناحية السياسية فتعني حالة أو مشكلة تأخذ بأبعاد النظام السياسي تستدعي اتخاذ قرار لمواجهة التحدي الذي تمثله “إداري – سياسي – نظامي – اجتماعي – اقتصادي – ثقافي” لكن الاستجابة الروتينية المؤسسية لهذه التحديات تكون غير كافية فتتحول المشكلة إلى أزمة تتطلب تجديدات حكومية ومؤسسية.
وبحسب هذا التعريف فإن ما نشهده من “عزوف” عن التعاون بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية وما نلمسه من تدن واضح في أداء كل مؤسسات الدولة، ومن تراجع في كل المجالات اقتصادية كانت أم صحية أم تعليمية يُخضعنا كدولة وككيان سياسي لذلك التعريف والمفهوم ويتطلب منا كمواطنين وكمسؤولين التعامل مع الوضع القائم تعاملاً خاصاً منسجماً مع شروط التعامل مع الأزمات بشكل عام!!
لقد أثبت المواطن تفوقه على الحكومة ومؤسساتها بشكل عام في التعامل مع الأزمة وإدارتها وذلك من خلال التجربة التي عاشها ذلك المواطن في ظل الاحتلال، حيث لم تفقده المفاجأة توازنه وعزمه وتصميمه وأدار بها كلها رحى الحركة والعمل في هذا الوطن. واستطاع أن يوظف كل طاقاته وإمكاناته لينظم المجتمع ومؤسسات الدولة التي لم يتوقف أداؤها بفضل عزيمة المواطن وعزمه على ضرورة تجاوز الأزمة مهما بلغت حدتها وعنفها!!
لقد أفرد الباحث عادل الخبيزي في دراسته فصلاً كاملاً تناول فيه قضايا الإصلاح والتطوير الإداري بالكويت من منظور إدارة الأزمات، حيث يشرح بعضاً من التجارب التي مرت بها الكويت في مجال تطوير الإدارة العامة وإصلاحها، وهي تجارب يرى أنها عانت من جوانب نقص عديدة مثل اتباع أسلوب الإصلاح الجزئي والتركيز على قطاعات محددة من دون الشمول اللازمة للإصلاح الفاعل. كما يرى أن التنسيق بين الأجهزة الحكومية كان ولا يزال غائباٌ وإن بعضه قد جاء بفضل جهود ذاتية دون تخطيط مركزي أو تنسيق شامل. بالإضافة إلى ذلك فإن جهود الإصلاح الإداري لم تلائم بينها وبين متطلبات وأولويات التنمية حيث ركزت على قضايا فرعية مثل الفساد الإداري دون الاهتمام بعملية التنمية البشرية اللازمة لنجاح جهود التنمية الاقتصادية، كما أن هذه الجهود لم تأخذ بعين الاعتبار العوامل البيئية في الإصلاح الإداري نظراً لأن كل جهود الإصلاح الإداري كانت تستقي توجيهاتها من البيروقراطية نفسها ودون أي اعتبار لبيئة البيروقراطية. وهو الأمر الذي كشفت عنه بجلاء أزمة الغزو في العام 1990. وهنا يضع الباحث يده على أشد المواقع ألماً وأكثرها ترفاً في جسد الوطن. ويذكرني حديثه حول ضرورة الشمولية في الإصلاح الإداري والتنسيق بين مؤسسات الدولة والاهتمام بعملية التنمية البشرية بحوار دار بيني وبين أحد الأساتذة البريطانيين في الجامعة حول أسباب تدني طالب العلم في الكويت وتضاؤل طموحاته العلمية على الرغم من كل الفرص المتاحة له والإمكانات المتوافرة بين يديه!! حيث يرى ذلك الأستاذ الجامعي أن الطالب الكويتي يفتقد للحوافز الكافية سواء كانت معنوية أم مادية!! بينما نرى نحن أن المشكلة اكثر تعقيداً من ذلك حيث يأتي تردي مستوى الطالب الكويتي كنتيجة مباشرة وكامتداد طبيعي ومنطقي للفوضى والتخبط الراسخين عميقاً في نظامنا بشكل عام سياسياً كان أم اجتماعياً أم اقتصادياً!!
ويختتم الباحث عادل الخبيزي دراسته هذه باقتراح تدشين استراتيجية لإدارة الأزمات وقفاً لقواعد مدروسة وفاعلة يسردها في نهاية بحثه!! وهي قواعد منطقية لا نتصور أنها غائبة عن أذهان المسؤولين وأصحاب القرار في الدولة. لكن ما يغيبها فعلاً هو غياب الضمير وليس المنطق في إدارة الدولة وأزماتها!!
