الأرشيف

موظف.. مع وقف التنفيذ!!

[جريدة القبس 21/12/1993]

قد لا نكون بحاجة إطلاقاً للإنشاء والنثر والشعر للتأكيد على أهمية وضع استراتيجة إدارية لمؤسسات ووزارات الدولة.. استراتيجية تكون نابعة من مخططات سليمة تأخذ في الاعتبار حاجة سوق العمل الحقيقية.. وبحيث تكون حريصة على التطوير ومواكبة التغيير في أجهزة الدولة ومؤسساتها.
فعلى الرغم من أن مشاكل الوطن الإدارية هي أكثر من أن تحصى.. إلا أن الظاهرة الأكثر إحباطاً هي ظاهرة أو واقع “التجميد” أو التوقيف غير الرسمي عن العمل.. والتي تتعرض لها يومياً فئة كبيرة من العاملين في كافة أجهزة الدولة.
مما لا شك فيه أن “التجميد” ما هو إلا نتيجة وظاهرة طبيعية لأسلوب تكتل الجماعات والشلل الذي أصبح أكثر ما يميز إدارات وأجهزة الوطن.. حتى لقد أصبحت الشركات والمؤسسات والوزارات تسمى باسم القيادات المتعددة فيها.. وازدادت رسوخاً مفاهيم ومصطلحات من مثل “هذا ولدنا” أو “هذا محسوب على فلان.. وذلك على غيره”.. وأصبحت من الأمور الشائعة لتسهيل التعامل والتجاوز مع مؤسسات وأجهزة الوطن.
قد لا يكون ذلك غريباً بأي حال.. فما زالت جذورنا القبلية والعائلية تحكم أغلب تحركاتنا وقراراتنا وما زال اللقب والاسم يتصدران الكفاءة والأداء.. وما زلنا نراوح في خانة “أنا وأخي وابن عمي والغريب”!!
إلا أن جذور قضية “التجميد” الاجتماعية من انتماء قبلي وعائلي.. لا تبرر بأي حال من الأحوال امتداد ذلك الانتماء إلى مؤسسات الدولة.. حيث تتشابك المصالح والمنافع.. وتتوحد الهموم والمشاكل.
لقد امتدت ظاهرة “الشللية: وتكوين جماعات الضغط الفاعلة والنشطة داخل مؤسسة أو وزارة ما.. امتدت لتشمل انتماءات طائفية ودينية إضافة إلى الانتماء العائلي أو القبلي.. فأصبح هناك وزير يرفض تعيين تلك الفئة.. وآخر يحارب الفئة الأخرى وثالث يبدي تحفظه إزاء من لا يلتزم بالعبادات والواجبات الدينية!!.. حتى لقد أصبحت ملامح التوصيف الوظيفي تشمل كل شيء إلا الكفاءة والأداء!!
وعلى الرغم من أن التجميد ظاهرة لها امتداداتها الاجتماعية.. إلا أنها – وبلا شك – لها انعكاساتها الاقتصادية المدمرة فهي أولاً إهدار لأموال دون عائد وظيفي أو عملي وهي ثانياً إهدار لطاقات شبابية وقدرات وظيفية تتطلبها جهود البناء والإعمار.
قد لا نكون بحاجة إلى التأكيد على حاجة الوطن لتلك الطاقات المهدورة فالتجميد ولا شك ظاهرة لا تعكس إطلاقاً حقيقة الحاجة في سوق العمل إضافة إلى كونها عامل ترسيخ للفساد الإداري الذي أصبح مثل عش العنكبوت في امتداده وهيمنته على بعض الإدارات وجهات العمل في هذا الوطن.
وظاهرة الفساد في مؤسسات الوطن أصبحت من القضايا التي باتت تطرح بشكل يومي.. وهي بكل تأكيد.. ما كانت لتمتد وتظهر بهذه الصورة لولا أن أجهزة الوطن أصبحت ترعى مصالح الأقليات التي تديرها بنفوذها وهيمنتها.. أكثر من مراعاتها للصالح العام.
فكم من خلل إداري.. وفساد.. وأخطاء متعمدة.. ثم التستر عليها.. بفعل نفوذ بعض الشبكات المسيطرة في وزارات الوطن وإداراته.
قضية “التجميد” لم تعد مشكلة عابرة ولا مسألة تخص بعض الجهات دون الأخرى.. بل أصبحت ظاهرة تميز البناء الوظيفي في هذا الوطن حتى لقد أصبح هنالك تصنيف وتدرج في درجة “التجميد” وأصبحت هناك مسميات ومفردات تخص كل إدارة أو وزارة.. وتعني بمصطلحاتها المتعارف عليها مدى درجة “التجميد”.. فهناك بعض الموقوفين ممن فرض عليهم التوقف تماماً.. وعدم الحضور!! وآخرون تم إعفاؤهم تماماً من أي عمل وإن كان حضورهم مطلوباً.. وهكذا.. يتدرج المجمد في كل وزارة بحسب تصنيفها المعمول به!!
لقد أصبح الإحباط الوظيفي.. من أكثر المشاكل التي تؤرق المواطن وتقتل في الموظف كل محاولة للتجديد.. والتنافس والإبداع.. والتي هي من أهم ما يميز النشاط البشري.. فلقد أصبح الموظف في هذا الوطن يعزف عن تطوير وتحسين أدائه.. وهو يعلم مسبقاً نوع المعوقات وأسبابها والتي سيصطدم بها في حال أقدم على تخطي الدور المرسوم له من قبل أصحاب النفوذ في الإدارة.
لم يعد بالإمكان تجاهل ظاهرة.. مثل ظاهرة “التجميد” في الوطن.. فعلى الرغم من مساحة الأرض.. وسعة الدخل.. وتكدس فرص العمل.. إلا أن معوقات تحسين الأداء الوظيفي وتطويره.. أصبحت تعكس نفسها وبشدة في كل إنجاز من إنجازات إدارات الوطن على اختلافها.
والشكوى أصبحت شبه مستمرة من تزايد سلطة أصحاب النفوذ.. والتقييم الذي أصبح خاضعاً لمعايير شخصية بحتة.. لا علاقة لها بالأداء الوظيفي.. بل والأخطر من هذا وذاك أن “التجميد” أصبح درجة من درجات التسلسل الوظيفي في هذا الوطن!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى