
لا أعرف المخرج عبدالمحسن حيات.. غير أني التقيت به كما التقى به غيري من خلال مساهماته الإبداعية، والتي سلطت ضوءاً لا غبار عليه على مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، باعتبارها راعية وممولة أعماله السينمائية… وتفاعلت… وكما تفاعل غيري، مع أزمة المخرج حيات مع جهاز المؤسسة الإداري الذي انتهى باستقالة المخرج الشاب، والتي استقبلها الكثيرون بأسف على أسلوب الهدر المتبع للكفاءات والإبداعات الوطنية، الذي لا تخلو مؤسسة ولا وزارة من تبعاته، ولا تخرج شكوى من مواطن دون الإشارة إلى ذيوله وآثارها.
وعلى الرغم من أن أقلاماً كثيرة أعلنت تأييدها للمخرج حيات.. وأعلنت رفضها لاستغناء المؤسسة عنه ومطالبة بتقدير ملموس ومحسوس للمحاولات الإبداعية الشابة.. وبرعاية واحتضان تلك المواهب وتنميتها، إلا أن شيئاً من هذا لم يحدث!! وانزوى كل ما كتب… وكل ما قيل عن قضية المخرج عبدالمحسن حيات.. ليصبح جزءاً من أرشيف هذه الجريدة.. أو تلك المجلة.. وبقي المخرج وحده في مواجهة أزمته مع مجتمع يفتقر لمعرفة الإبداع ناهيك عن صونه!!
قضية المخرج حيات، كغيرها من قضايا أخرى كثيرة، تعكس ولا شك منهجنا في هذا الوطن، من حيث التفاعل وردود الفعل تجاه أمور تمس المواطن والوطن بشكل مباشر. فنحن نثور لقضية ما كثورة الموج الهادر.. نتعايش معها بانفعال عاطفي.. قد يدفع البعض أحياناً إلى جرة التهديد والوعيد!!
إلا أنها ثورة لا تلبث أن تتلاشى… كما يتلاشى زبد الموج في نهايته. ومثلما يكون تفاعلنا مع قضية ما يأتي تجاهلنا أو نسياننا لها!!
تفاعلنا مع قضية البيئة والتلوث إبان لهيب آبار النفط المشتعلة.. وتلاشى اهتمامنا فور سكون الحريق.. على الرغم من أنها قضية لا تزال حاضرة، ولا تزال جذور التلوث باقية.. وأبعادها المستقبلية تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام مختبرات أخرى كثيرة في العالم من حولنا!!
ثارت ثائرتنا وأصبح التعليم وإصلاحه قضيتين تشكلان جل اهتمامنا وذلك أثناء قرار الدمج مع بداية التحرير.. وكأنما تردي التعليم وتخلف وسائله قضيتان أثارهما قرار الدمج لا أكثر ولا أقل!! وقضايا أخرى كثيرة… أثرناها بانفعال.. وتراجعت مع هدوء جذوة انفعالاتنا!!
قد لا ينكر أحد أهمية طرح قضية ما على السطح.. وفي النور… فتلك ولا شك أولى الخطوات نحو معالجة جادة لأي قضية.. كبرت أم صغرت من حيث تأثيرها وتبعاتها.. بل أن الخروج بالقضايا إلى السطح.. من ملامح المجتمعات الديمقراطية.. والتي نصر دوماً على أننا ننتهج نهجها في هذا الوطن.. لكوننا نحتضن برلماناً ونمارس عملية التصويت والترشيح!! فإثارة القضايا تحت الضوء تحمل دعوة للمساهمة.. إلى جانب كونها أولى خطوات الإصلاح والتطوير.. لكنها حتماً ليست آخر الخطوات!!
نحن جميعاً في هذا الوطن لا نتوقف عن إبداء استيائنا وتذمرنا دوماً من موقف الحكومة السلبي تجاه ما يطرح من قضايا.. بل لقد أصبح الصراع اللفظي أساس العلاقة ومحورها بين المواطن والحكومة.. حتى لقد أصبح المواطن يحاول عبثاً أن يجد فرجة واحدة في زحمة ما يطرح من قضايا.. يزج من خلالها بقضية واحدة خارج أسوار الصراع اللفظي والسياق الحكومي!!
لعلّ من الإنصاف القول بأنَّ الحكومة ليست وحدها من يعرقل الفصل في قضايا الوطن العامة.. فللمواطن حصة في معوقات الإصلاح تلك!! فكم قضية يا ترى خرج بها المواطن من مرحلة الطرح الأولى!! وكم مشكلة عقد المواطن عزمه على متابعتها والخروج بها من حيزها الحرج!! وكم مأزق ساهم المواطن بإصرار على السير إلى نهايته!! الحصيلة وكما نعيشها جميعاً أن لا قضية ولا مشكلة ولا مأزق عبر عنه المواطن باقتناع، وتبناه بإصرار وعزم، وأن كل ما يطرح لا يعدو عن كونه تفريغاً لشحنات غضب واستياء!!
ولعلَّ في ذلك يكمن السبب الأساسي في أن الديمقراطية.. وحرية الرأي والقول والتذمر في مجتمعات ودول أخرى تحقق بعضاً من أحلام مواطنيها.. وتنجز أهدافاً لأوطانها!! بينما هي في حالتنا نحن حرية لا تتجاوز الصرخة الأولى.. كما هي ديمقراطية لا تتخطى أسوار مبنى المجلس الأنيق!!
إذا كان مخرجنا عبدالمحسن حيات قد لخص في فيلمه الأخير معجزات أدركتها البشرية بفضل فارق بيولوجي عن الشمبانزي بنسبة ٪1، فإننا في هذا الوطن قد أدركنا تخلفاً إدارياً وسياسياً عن المجتمعات الحديثة بفارق ٪99!!
