الأرشيف

مخلفات الغزو الأخلاقية

[جريدة القبس 30/10/1995]

حسناً فعل المجلس البلدي بإثارة قضية الرشوة.. التي أصبحت حديث المجالس والناس في كل مكان!! وإن كان دور المجلس هنا قد جاء عفوياً.. حيث تفاقم حديث الرشوة من خلال مناقشات روتينية، إلا أن التعقيب الإعلامي ومتابعة رجل الشارع لما أثاره المجلس مؤخراً، يتطلب منا جميعاً وقفة حقيقية تجاه ذلك الداء الذي أصبح مستفحلاً، وفاحت رائحة فضائحه حتى غدت الرشوة القاعدة لا الاستثناء!!
لا يجادل أحد في مظاهر الرشوة السلبية، ولا في أبعادها الأخلاقية، ولا في دلالاتها التي إن دلّت على شيء، فهي قطعاً تدل على خلل عميق في الإدارة بوجه عام!! وإذا كانت الرشوة ليست طارئة ولا جديدة على المجتمع الكويتي، بل هي في كل المجتمعات البشرية. حيث تأتي كاستثناءات للخطوط الأخلاقية الواضحة في التعاملات البشرية، سواء أكانت اقتصادية أم لا!! إلا أن أبعادها الأخلاقية، خاصة في مجتمع صغير كالمجتمع الكويتي، هي مسألة تتطلب منا جميعاً وقفة حازمة وشرسة في مواجهة تلك الأخلاقيات الشاذة، قبل أن تصبح تضاريس ثابتة في تعاملاتنا وشؤوننا اليومية في هذا الوطن!!
الرشوة، بمعناها العام، هي تجاوز للقوانين وللنظم القائمة في سبيل تحقيق مكاسب مالية أو أدبية أحياناً!! وبذلك، فهي هدم للبناء المجتمعي بقوانينه ونظمه!! يستحق مقترفه العقاب والنبذ من المجتمع بشكل عام!! وهو ما لم يحدث في هذا الوطن!!
لا ننكر إننا لسنا بمجتمع مثالي، وأن بيننا نفوساً ضعيفة شأننا شأن أي مجتمع بشري آخر!! غير أننا قد اختلفنا عن تلك المجتمعات في تعاملنا مع الرشوة والمرتشي!! من الطبيعي جداً أن يترك غزو النظام العراقي للوطن آثاره ومخلفاته النفسية والأخلاقية على المواطن!! ولعلَّ أبرزها ذلك الإحساس المتنامي لدى المواطن بأهمية الجانب المالي في الاستقرار النفسي والبدني!! وتلك أهمية قد لا ينكرها أحد، غير أن الإفراط في اعتبارها أساساً للقيمة الفردية وجوهر الاستقرار والأمن والأمان هو، ولا شك، إحساس نابع من الظروف القاسية التي عبرت بالمواطن، سواء أطلت عليه شمس الثاني من أغسطس وهو داخل الوطن أم خارجه!! ليس ذلك تبرير لمظاهر الرشوة التي أصبحت سائدة وبشكل ملحوظ في هذا الوطن بقدر ما هو محاولة للوقوف على أسباب ذلك التدهور الأخلاقي الملحوظ!!
إذا كانت الرشوة شأنها شأن أي شذوذ أخلاقي موجود في تعاملات البشر في ما بينهم.. فإن مخاطرها على هذا المجتمع الصغير هي في أنها أصبحت شبه قاعدة في إصدار المعاملات والإجازات التجارية، بل وفي إرساء المناقصات!! حتى لقد أصبح لها مروجّوها المعروفون.. وأصبحت أجورهم التي يتقاضونها أشبه بتسعيرات ثابتة يعلمها الجميع ويلتزمون بها!!
المخيف في ظاهرة كهذه.. تعتبر سرقة بحكم العرف الأخلاقي والتشريع الديني.. أن المجتمع يقف متقبلاً لشخوصها ومستقبلاً إياهم، بل واعتبارهم أحياناً ضحايا للالتزامات والضغوط المالية التي أصبحت تفرضها عليهم الحياة العصرية ومتطلباتها!! وهو ما أصبحنا نسمعه جميعاً في تبرير البعض لظروف قبولهم لمنح مالية جراء القيام بإنجاز أسرع لمعاملة.. أو باستثناء من قانون قائم وصريح!!
لا شك أن الفساد، أياً كان وجهه، يعدُّ أداة هلاك للمجتمع وللمواطن على حد سواء!! فمعاول الفساد هي أمضى وأشرس من أعتى أدوات القتل والدمار!! والتاريخ بأكمله يقف شاهداً يحدثنا دوماً عن سطوة آفة الفساد إذا ما نخرت في بنيان مجتمع ما!! وكيف أنها أبادت دولاً وأمما.. وأسقطت أباطرة وملوكاً!! والرشوة فساد، وإن كان أثرها أقسى وأعمق.. فالسارق وحده أخلَّ بالمجتمع.. غير أن المرتشي والراشي كليهما خارج عن القانون المجتمعي والأخلاقي!!
لا نريد أن نجعل من كارثة الغزو ملجأ تأوي إليه كل سلبياتنا!! رغم إننا لا نستطيع أن نعفيها من دورها في الإسهام بذلك التراجع الأخلاقي!! يبقى إذاً من واجبنا جميعاً أن نعي إسهامنا في ذلك، سواء أكان مباشراً أم لا!! تفاقم الرشوة واقع، علينا أن نثبت العزم على استئصاله!! فأداة الخلاص الآن في أيدينا.. ولن تفلح جيوش الأرض في خلاصنا هذه المرة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى