
قد تكون الندوة التي عقدت في مقر النائب عبدالله النيباري في الأسبوع الماضي، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير!! وبهذا نستطيع القول إنها قد تكون عجَّلت – ولا نقول سببت – في حل مجلس الأمة!!
فالندوة أثارت ولا شك جُرحاً غائراً في نفس كل مواطن!! والحديث الذي تناول جدوى وجدية الأحكام القضائية التي صدرت في حق المتهمين بالتجاوزات المالية، هو حديث الجميع الذي لم ولا ينتهي!! كما أن قضية استمرار المفسدين وبقائهم في مراكز قيادية وسياسية، هي قضية أصابتنا جميعاً بالإحباط وباليأس من إمكانية تقويم حقيقي لمسألة الفساد في هذا الوطن بشكل عام!!
الندوة أفردت قضايا فساد عديدة، وفي مؤسسات مختلفة!! ولعلَّ المخجل والمؤسف هنا أن أغلب تلك القضايا قد صدرت بحقها أحكام تدين المتهمين فيها، الذين إما أن يكونوا قد هربوا واختفوا، أو استطاعوا (بذكاء) التخفي وراء بعض الثغرات في نظامنا بشكل عام!!
لا شك في أن استمرار قضايا الفساد بهذه الصورة المحزنة، واستفحالها بهذه الدرجة، يؤكد خللاً كبيراً في مصداقية وكفاءة أدائنا البرلماني الرقابي، ووعينا الديمقراطي!! خاصة أن الديمقراطية في أرقى وأهم ممارساتها وإنجازاتها هي الأداة التي تخول الفرد وتعطيه الحق في الرقابة على مؤسسات الدولة، ومن ثم تقويم الأداء من خلال القنوات الشرعية المعمول بها، والتي يأتي البرلمان كواحد منها!!
استمرار الفساد إذاً وتزايده هو بلا شك دليل قاطع على خلل في المؤسسات الرقابية، وخطورة ذلك الخلل ليست في تحجيم تلك القنوات الشرعية وحسب، وإنما في تنامي حاجة المواطن إلى قنوات بديلة يحارب من خلالها آلة الفساد ورموزها، ويعبر من خلالها عن درجة استيائه وتذمره من تردي الأمور والأوضاع، ويصيغ من خلال تلك القنوات البديلة، التي قد لا تتصف بالشرعية ذاتها، مفاهيمه وشروطه الإصلاحية التي عجزت عنها القنوات الرقابية الشرعية، والتي سبق له، أي المواطن، تبنيها والإصرار عليها!! وذلك بالتأكيد ليس تشاؤماً، ولا تطرفاً، في التعبير والرؤية، وإنما هو قراءة جيدة وملاحظة يتبناها فريق كبير من المواطنين يدفعهم إليها ذلك التناقض البشع الآخذ في الازدياد بين تصاعد حدة الفساد و”العجز” عن احتواء ذيوله وأعوانه من جهة، وبين المظهر الرقابي التشريعي الممثل بالمجلس من جهة أخرى!!
إن غياب الديمقراطية وتحجيمها، لا يكون بحل مجلس الأمة وإيقاف العمل بالدستور وحسب، بل إن غيابها يكون ذا وقع أكبر حين يكون الحضور شكلياً بحتاً ومكبلاً بأداء ضعيف وطرح متدن، ونائب (مُستضعف)!! وفي كلتا الحالتين تنمو المحاولات لطرح بدائل وقنوات إصلاحية وتقويمية أخرى!! ولقد سبق أن خاض الوطن تجربة كهذه من خلال “ديوانيات الاثنين” قبل الغزو إبان مرحلة تعطيل الدستور السابقة!! ولا حاجة بنا هنا إلى التذكير بطابع العنف الذي ميز تلك المرحلة، ولا حالة الانشقاق واللاعودة التي كدنا أن نلامسها آنذاك!!
اليوم نحن جميعاً نقف في مواجهة مرحلة مشابهة لتلك، إن لم تكن أكثر حرجاً وحساسية، (فالعاجزون) اليوم عن الفعل هم من يُفترض أن يكون بأيديهم زمام ذلك الفعل، والداعون إلى (ديوانيات اثنين) هم من قلب المؤسسة الرقابية التشريعية، يدفعهم إلى ذلك حصار عنيف على أدائهم وفعلهم، ومحاربة شرسة يقودها مروجو وقادة الفساد في هذا الوطن، الذين على ما يبدو قد أصبحوا أكبر من القانون، وأقوى من آلة الردع والعقاب!!
لقد تضاعفت بنا الحاجة اليوم إلى (حكمة) و(حكيم) ينتشلنا مما نحن فيه، ويشير إلى مبعث الداء!! وإلى مبادرة صادقة لحسم قضايا الفساد، وتفعيل المؤسسات العقابية ومحاسبة المتطاولين على المال العام سواء في قضة الناقلات، أو في مشتريات وزارة الدفاع، أو في القضايا المتعلقة بالمشتريات العسكرية، و”سكراب” وزارة الدفاع الأمريكية، أو في تجاوزات وزارة الأشغال، أو غير ذلك من فساد وتسيب!!
نعود لنؤكد مرة أخرى العلاقة الوثيقة بين تدني الأداء في المجلس، وبين تصاعد الفساد وتزايده!! وإننا نمارس ديمقراطية شكلية بحتة، ومجلساً (مصطنعاً) ما لم تتوافر لهذا المجلس الصلاحية المطلوبة لممارسة دوره الرقابي المطلوب والمفروض!! وما يتبع ذلك بالطبع من صلاحية وبث روح وحياة في المؤسسات التنفيذية بما فيها المؤسسات العقابية والإصلاحية!!
وإلى حين ظهور (الحكيم) المنتظر سيبقى الوضع متأزماً، وستبقى العلاقة بين الدولة والفرد هشة ومتداعية!! وتستمر المعادلة المعكوسة هي السائدة في هذا الوطن، والتي تجعل من الديمقراطية الأداة التي تراقب من خلالها الدولة الفرد والمجتمع، بدلاً من العكس!!
