الأرشيف

صناعة المسلسلات

[جريدة القبس 22/5/2018]

لا أزال أتذكر جيداً كيف كنا ونحن أطفال نلتصق بالراديو لنتابع مسلسلات إذاعة “صوت العرب” في رمضان، حيث كانت المسلسلات الإذاعية الرمضانية في فترة السبعينيات وإلى منتصف الثمانينيات جزءاً من عبق وروح رمضان، ينتظرها جمهورها بشغف، حيث تابع أغلبنا ما حدث في “باب السيرك”، واستمتع بحوارات مسلسل «على باب الوزير»، بالإضافة إلى الأعمال العملاقة لنجيب محفوظ التي قدمتها “صوت العرب”، مثل “بداية ونهاية” و”بين القصرين” و”السكرية”، وغيرها.
كان ذلك قبل أن يختطف التلفزيون في التسعينيات جمهور الإذاعة، ويصبح تنافس المسلسلات جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الرمضانية، ثم لتدخل على خط التنافس الأعمال الدرامية الخليجية، وتبدأ معها صناعة المسلسلات في التحول إلى ظاهرة تشهد رواجاً غير مسبوق، وتجني أموالاً خيالية، ثم لتندمج بعد ذلك مع صناعة الإعلان التي بدأت هي الأخرى تتخذ أشكالاً فنية وسينمائية جذابة!
لكن صناعة المسلسلات لم تخلُ، كالعادة، من جدل حول “شرعيتها” في مجتمعات تتجاذبها دائماً أقطاب متصارعة حول الحلال والحرام، والمشروع وغير المشروع! قطب يرى فيها ترويجاً لأعمال تصوّر نساء ومعازف، ومخالفات لشرع الله ومنكرات كثيرة، وقطب آخر يرى فيها جزءاً من روح رمضان وعبقه، وتسلية بريئة لا تتداخل مع واجبات الفرد الدينية والعقائدية.
المنافسة هنا بلا شك تسير في مصلحة القطب الأخير، فالمسلسلات بالفعل، رضينا أم أبينا، أصبحت جزءاً من الروح الرمضانية وغدت صناعة لها مؤسساتها المالية والإدارية والفنية.
هذه الصناعة التي أصبحت تتنافس فيها دول كبرى، وكما هي الحال في التنافس الشرس اليوم بين الولايات المتحدة وتركيا، حيث أصبحت تركيا ثاني مصدر للمسلسلات التلفزيونية على الصعيد العالمي، بعد الولايات المتحدة التي لا تزال تتربع على المركز الأول واليوم أصبح العالم العربي أول مستورد للمسلسلات التركية.
لا ننكر على الإطلاق أن هنالك الكثير من الأعمال الفنية الهابطة التي قد يطول تأثيرها قيم المجتمع والأخلاق بشكل عام، لكننا لا ننكر كذلك أن تيار صناعة المسلسلات لا يزال أقوى من محاولات البعض الساذجة لمواجهة واقع فرضته الحاجة للترفيه وتدعمه ثورة تكنولوجية أباحت كل شيء وأسقطت في طريقها كل الجدران الثقافية، وكل عام أنتم بخير.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى