الأرشيف

جائحة الكراهية

[جريدة القبس 9/6/2020]

خلق “كورونا” عند البشر حالة من الرهاب لم تخلقها كل الحروب مجتمعة، فكل فرد أصبح يرى في الآخر مصدر خطر ووباء، ويسعى بكل الطرق لتجنبه والوقاية منه! فعلى الرغم من أن الحرب تحمل في منبعها رفضاً أو صراعاً مع الآخر، إلا أنه شعور سرعان ما يتلاشى ويختفي مع اختفاء الأسباب التي أثارته، لتمضي دورة الحياة مؤسسة لعلاقات بشرية مختلفة عن العلاقات التي سبق أن سادت في فترة الحرب أو النزاع.
يقول محمود درويش: “بالأمس كنا نفتقد الحرية، اليوم نفتقد المحبة، أنا خائف من غد، لأننا سنفتقد الإنسانية!”.
أمامنا اليوم كأسرة عالمية تحدٍّ كبير في كيفية إحياء المحبة التي شوهها الفيروس وأنهك تضاريسها، والمحبة هنا ليست الحب الذي هو حالة شخصية مرتبطة بعلاقة ضيقة، بينما تأتي المحبة كحالة بشرية جامعة تتعلق بشعوب الأرض كافة، فما الحب في النهاية إلا بعض من المحبة التي تنطلق من محبة الله إلى محبة الآخر.
هل العالم مقبل على جائحة كراهية بسبب هذا الفيروس الشقي؟ سؤال طرحته صحيفة “الغارديان” التي بثت مخاوفها من إحداث اضطراب وتوتر في المجتمع في مثل هذه الأوقات عندما يتعرض المجتمع لظروف ضاغطة يستغلها البعض لإذكاء الكراهية والانقسام، وقد كان تحرك «الغارديان» إثر تحقيق فتحته شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا حول اتهامات ضد جماعات يمينية متطرفة بمحاولة استخدام أزمة فيروس كورونا لإذكاء مشاعر العداء ضد المسلمين!
لا شك أن مناخ الفيروس قد أفرز عادات وطبائع جديدة غيرت من سلوكيات البشر في تعاملهم مع الآخرين، فالتباعد الاجتماعي وتجنب الاحتكاك المباشر وغياب العناق والتقبيل حتى للأطفال، سيترك بلا شك أثره البعيد على المشاعر البشرية بشكل عام، فهنالك شبه عولمة للسلوك البشري اتفقت على ضوابط صارمة لكل تلك الممارسات البشرية اليومية، وأخشى ما أخشاه أن تبقى تلك السلوكيات معنا حتى مع اختفاء الوباء، فهنالك ثقافة صحية واجتماعية تتشكل اليوم، ولا يبدو أنها ستغيب في القريب العاجل خاصة في ظل التحذيرات من موجات وبائية مستقبلية قد تكون أكثر عنفاً من “كورونا” الحالي.
لقد نجح الفيروس في بناء سد منيع بيننا وبين الآخر، فأصبحنا نراه من خلف كمامات اختلفت مقاساتها وألوانها، لا نرى من ورائها سوى أعين تتابع حركة الآخر حرصاً منها على عدم الاحتكاك المباشر.
الحياة بلا شك رحبة، وأوسع بكثير من الفيروس، والمحبة التي ولدت من رحم الخليقة لا يقتلها فيروس ولا تنفيها إجراءات وقائية، أو سلوك كوروني مستجد، ففي الإسلام جمعت المحبة المؤمنين وألفت بين قلوبهم، وجعلها الصوفي أساس علاقته بخالقه، بينما تصنفها المسيحية في أعلى الدرجات، منادية بأن الله محبة.
يستوي الناس عادة في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا، لذلك فإن التحدي أمامنا كبشر كبير، فالمعركة ضد كورونا ستشمل التمسك والحفاظ على ملامحنا الإنسانية السامية، فإعادة المحبة في قلوب البشر توازي إعادة الصحة في أبدانهم، ولتكن معركة عالمية ضد جائحة الكراهية التي بذرها فيروس، مقتحماً نزعة الإنسان الفطرية نحو المحبة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى