
● يطوي الإنسان سنيّه باحثاً عن السعادة، فلا يدركها إذا كان البحث خارج ذاته، فالانسلاخ عن الواقع المادي هو بداية الطريق إليها.
يلهث الإنسان بين الولادة والممات في رحلة وراء السعادة، ساعياً بكل ما يملك من عقل ومادة لتحقيق أكبر قدر منها، لكنها تبقى، أي السعادة، سراباً لا يدركه إلا القلة ممن قطنوا الأرض منذ ملايين السنين!
مشكلة الإنسان الأزلية مع السعادة أنه دائماً ما يجهل أدوات استحقاقها، فيفرط في استخدام المادة، وكل ما هو ملموس من نعم الدنيا ليصل إلى أطراف السعادة!
وعلى الرغم من أن الأديان السماوية كلها إشارت إلى مصادر السعادة غير المحسوسة، والتي تكمن في النفس المطمئنة، فإن الإنسان يستمر في حالة التيه هذه في رحلته نحو منبع السعادة!
البوذية، كما الصوفية، عرّفت السعادة بكونها الانسلاخ عن الواقع المادي المحسوس، وذلك من خلال رياضة التأمل والتجرّد، لكن كلتا الحالتين لا تفترضان أن السعادة هبة بلا جهد، بل هي على العكس من ذلك مكتسب لا يأتي إلا بالجهد القائم على ترويض النفس، بل إن البوذية ترى أن الإقرار بحقيقة الشقاء أولاً، وليس إنكاره، هو المدخل الوحيد نحو السعادة ممثلة في النيرفانا! فالبوذية لا تعد بأي طمأنينة أو سعادة من دون جهد، والتأمل في البوذية لا يعني التأمل في شيء أو الرغبة في تحقيق أمر ما، بل هو حالة من الانتباه المتقد للحظة الراهنة أو الآن فقط.
لقد حاول الفلاسفة عبر التاريخ وضع إطار واضح لمفهوم السعادة، فكان لسقراط تعريفه الخاص، وكانت لأفلاطون جمهوريته اليوتوبية، التي اقتبسها الفارابي معلناً مدينته الفاضلة، ووضع إخوان الصفا اثنتين وخمسين رسالة تتحدث عن أسس السعادة!
وكما الفلسفة، كذلك كان للأدب دور في وصف السعادة ومنابعها، وهو وصف لا يختلف كثيراً عن وصف الفلاسفة! إحدى قصص الأدب القديم تتناول حكاية ملك حزين وبائس يأمر وزراءه بأن يبحثوا في العالم كله عن إنسان يعترف وبصدق أنه سعيد، وعندما يجدونه يأتون الملك بقميصه!
فيرحل الوزراء ويجولون الممالك والإمبراطوريات والدول، يسألون عن رجل سعيد، فلا يجدون أحداً يقرّ بذلك، وبينما هم في طريق العودة يائسين من تحقيق أمنية الملك، وإذ بهم أمام كوخ، فقرروا أن يسألوا قاطن الكوخ عن السعادة، وذلك حتى يحققوا رغبة ملكهم في أنهم سألوا جميع سكان المعمورة، ولم يستثنوا من ذلك فقيراً ولا غنياً! يدخل الوزراء كوخ ذلك الرجل ويسألونه إن كان سعيداً، فيجيب بثقة بأنه في قمة السعادة، فيفرح وزراء الملك ويطلبون منه أن يعطيهم قميصه، فيجيب مندهشاً بأنه لا يملك قميصاً.
مغزى القصة واضح، ويشير إلى أن السعادة لا شرط مادياً يبيحها، ولا ملكية تفرزها، وإنما هي حالة منفصلة عن كل مقتنيات البشر المحسوسة والملموسة!
السعادة حالة بذورها في داخلنا جميعاً، ومشكلة الإنسان أنه يسعى دائماً للبحث عنها خارج وعيه وروحه، ويستنزف طاقته في البحث عنها في مال أو أكل أو عمل أو عائلة، فيتذوقها لفترات خاطفة، ويسعى إلى تكرارها بالنهج نفسه، لكنها لا تحدث دوماً من الخارج، فهي في أعماق داخلنا فقط.
