الأرشيف

هاجس السحر والشعوذة

[جريدة القبس 17/3/1997]

عقدت في الأسبوع الماضي، في مركز الطفولة والأمومة (اليونسكو)، ندوة تحت عنوان “مخاطر السحر والشعوذة”، شارك فيها رجال علم وأمن، وعلى الرغم من أن الندوة كانت تدعو إلى التحذير من مغبة الاعتقاد والتعامل بالسحر، ومن الوقوع في الأوهام والوساوس، ومن المتاجرة بالسحر والشعوذة، إلا أن المتتبع لحوار الندوة لن يخطئ بلا شك قناعة واعتقاداً بالسحر من قبل المشاركين في الندوة وممن يفترض أن يكونوا أدوات وعظ وتوعية، لا تقل عن قناعة واعتقاد العامة من الناس والبسطاء من المواطنين، ممن عقدت الندوة لأجل وعظهم وتوعيتهم وانتشالهم من هاجس السحر والشعوذة. فبينما يستعرض الدكتور بشير الرشيدي، أستاذ علم النفس التربوي، قضايا السحر من منظور اجتماعي وديني وتاريخي، نجده يخضع في حديثه لواقعية السحر وإمكانية حدوثه، مقراً به كواقع وليس كخيال. ولعله في استعراضه لقصة موسى وسحرة فرعون، كمثل ساقه للتأكيد على حقيقة وجود السحر، قد أجاب على نفسه، حيث أن سحر موسى هو جزء من معجزته كنبي، بينما كان سحر رجال فرعون من صنع الخيال، وكما تقول الآية الكريمة: F ﵟقَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥ قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦ فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧ قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨ وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩ﵞ ﵝطه : ﵕﵖ – ﵙﵖﵜ F..”.
إذاً فإن السحر حقيقة في القرآن ولكنه أيضاً حقيقة تخص الأنبياء لا غيرهم. ومعجزة موسى التي وهبها الله له كانت في سحره وكما نعلم.. وهو بذلك يكون أمراً فوق طاقة البشر والخلق! وليس أمراً متوارثاً له أدواته ورجالاته وعملاؤه وكما ذكر الدكتور الرشيدي.
وإذا حاول الدكتور الرشيدي أن يكون موضوعياً في طرحه، وملتصقاً ما استطاع بالعلم وبالواقع، فإن الشيخ العوضي قد وقع في تناقض واضح، بدا من خلال تعليقه على الموضوع مؤكداً بأن السحر هو علم قائم بحد ذاته يدرس في بعض الجامعات العالمية، وهو أيضاً خيال!! إلا أن الشيخ العوضي لم يوضح في حديثه متى يكون السحر علماً ومتى يكون خيالاً!! بل ومتى يكون جهلاً يضعف إيمان الإنسان بالله عز وجل وبالقضاء والقدر وكما جاء على لسان الشيخ العوضي.
أما تأكيد الشيخ العوضي على أن السحر علم بدليل أنه يدرس في الجامعات العالمية!! فإن ذلك ولا شك ليس دليلاً على علمية السحر وحقيقته. فهناك مواضيع أخرى وقضايا كثيرة تدرس في الجامعات، دون أن يعني ذلك بالضرورة حقيقتها أو واقعيتها أو صلاحيتها!!
إن مجرد إعلان ندوة بهذا الشكل من قبل أساتذة مشهود لهم بالمعرفة والاطلاع، يعتبر ولا شك إقراراً بحق الناس والعامة بالاستمرار في الاعتقاد بهذه الصورة الجاهلة، والابتعاد بذلك عن مغزى السحر الذي ذكر في آيات الله الكريمة، والذي جاءت خلفياته واضحة في قصص القرآن الكريم. نوافق أصحاب الدعوة الأفاضل بأن هناك بالفعل جهلاً في أمور غيبية كثيرة يتطلب إيضاحاً وتوعية. وإن كنا نختلف معهم في أن يكونوا مساهمين في إثراء ذلك الجهل، بدلاً من أن يكونوا مبادرين لاستئصاله.
السحر والشعوذة والإيمان بقدرات خارقة لبشر مثلنا مثلهم، قضية لا تقتصر فقط على المجتمعات المتخلفة وحسب، بل هي قضية موجودة في مجتمعات متقدمة علمياً، وحديثة في فكرها ونهجها العام، فهي جزء من صراع الإنسان الأبدي مع عالم الغيب وأسراره، غير أننا وكمجتمعات إسلامية نملك أدوات لا يملكها غيرنا، للسيطرة على مثل هذه التوجهات والمعتقدات، ولدينا دين، وكتاب يشرح، وبإسهاب، أمور السحر والجان، ويصنفها كقدرات خارقة لبشر اصطفاهم الله، وميزهم عن العالمين.
وكم كنا نتمنى لو أن ندوة “مخاطر السحر والشعوذة” قد جندت المغزى الإسلامي من وراء السحر في القرآن لتوعية الناس، بدلاً من أن يخضع أصحاب الندوة لهاجس السحر، بصورة جعلتهم لا يختلفون كثيراً عن ضحاياه من العامة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى