الأرشيف

محكمة على الهواء مباشرة

[جريدة القبس 5/12/1999]

تابع الكثير من أبناء هذا الوطن، وتفاعلوا مع اللقاءات التي أجراها السنعوسي مع المحكومين في قضايا إصدار شيكات بدون رصيد، واختلف الناس حول تلك المسألة بين متعاطف، ومن ثم متحمس للتبرع لهؤلاء المحكومين، وبين متردد وحذر في تعاطفه أو في ردة فعله تجاه ما شاهد من قصص ومآسٍ في حلقات “برنامج السنعوسي”.
وقد طرح الكثيرون سواء من خلال البرنامج أو من خارجه حلولاً وطرقاً للخروج بترضية يتفق حولها الجميع.
هنالك ولا شك تفاصيل قانونية قد لا نملك أن نفتي بها هنا، بل نتركها لأهلها، وقد لخص المحامي حمد العيسى في مقال نشرته جريدة القبس الوضع القانوني في الكويت بخصوص عقوبة إصدار مثل هذه الشيكات، حيث استعرض تفاصيل العقوبة وموجباتها والقصد من هذا القانون بشكل عام.
فبحسب ما جاء في مقال المحامي العيسى فإن إصدار الشيك بدون رصيد يعتبر جريمة، لأن الشيك ورقة تجارية لها حماية قانونية خاصة باعتبارها أداة وفاء حكمها حكم العملة تماماً، والعبث بها هو عبث في الاقتصاد الوطني، وبالتالي فقد جرم القانون مصدر الشيك الذي لا يقابله رصيد.
إذاً نحن لا نستطيع أن نناقض القانون أو نتجاوزه، أما المساعدة لهؤلاء المحكومين والتي قدمها البعض من خلال التبرعات النقدية التي انهالت على البرنامج فإنها حل مؤقت لا يعالج المشكلة، بل يصحح أوضاع هذه الفئة (المحظوظة) من المحكومين التي سنحت لها فرصة الحديث من خلال جهاز التلفزيون، وهي بلا شك معالجة وقتية لا تلمس جوهر المشكلة ولن تؤدي إلى الحد منها، خاصة بعد أن أصبح الشيك بدون رصيد ظاهرة محزنة تعاني منها أسر بأكملها وأطفال وأهل.
قد يكون من بين هؤلاء المحكومين أبرياء من الذين غرر بهم واستغل اسمهم وتوقيعهم من قبل بعض عديمي الذمة والأمانة، لكن حماية هؤلاء الأبرياء لا تكون بإلغاء أحكامهم فقط وإنما بمراجعة الأسباب التي أدت إلى وقوعهم في مثل هذه المشكلة، وتقويم ما يمكن تقويمه بصورة قانونية تحفظ لكل الأطراف حقها، لأن حماية طرف دون الآخر ستخلق فوضى قد تضاعف من هذه المشكلة، بل وقد تشكل مدخلاً للكثير من المتحايلين والنصابين لاستغلاله وفقاً لأغراضهم ومآربهم، فإذا كان لهؤلاء المحكومين الأبرياء حق في البراءة والإعفاء، فإن من حق صاحب الشيك أن يتمتع بمناخ عام ومستقر من الثقة بالتعاملات المالية والمصرفية لكي يستطيع أن يزاول نشاطه بسهولة وحرية.
كم كنا نتمنى لو أن السنعوسي أثار في حلقة مكملة لحلقاته تلك دور القروض الاستهلاكية والتسهيلات، ودور البنوك، وخاصة بيت التمويل، في تعزيز ذلك السلوك الاستهلاكي المسرف، والذي أصبح آفة تهدد مدخرات ودخول المواطنين خاصة بعد أن أدركنا من خلال لقاءات السنعوسي مع أولئك المحكومين مدى سيطرة السلوك الاستهلاكي عليهم ودوره فيما آلوا إليه من موقف وموقعِ، فبيت التمويل، على سبيل المثال، يفتح أبوابه دائماً لكل من يرغب في التمتع برفاهية لا يستطيع أن يحققها بدخله المتواضع، فالجميع وبصرف النظر عن الدخول يستطيع أن يشتري أفضل السيارات وأفخمها بتشجيع من بيت التمويل، ويستطيع أن يبني منزلاً، ويشتري أثاثاً، وأن يتسوق ويسافر بمباركة بيت التمويل وقروضه الاستهلاكية، ولا يمكن اعتبار ذلك فضلاً من بيت التمويل أو مساهمة منه في تنشيط الاقتصاد وتسهيل أمور المواطن، لأن نتيجة مثل هذه التسهيلات قد خلفت وضعاً اجتماعياً واقتصادياً سلبياً دفع ببعض الاحتياجات الثانوية لتصبح متطلبات رئيسة وضرورية لدىالمواطن، وقد رأينا ولمسنا من لقاءات السنعوسي سيطرة ذلك السلوك الاستهلاكي على نفوس أولئك المحكومين، وما أدى إليه من مآزق، أحدها كان السجن، في حديث لرئيس مجلس إدارة بيت التمويل ذكر فيه أن نصيب بيت التمويل الكويتي من حجم التعاملات المصرفية بالنسبة للتسهيلات الاستهلاكية وغيرها من التسهيلات المقسطة نحو 778 مليون دينار كويتي، يشكل نحو 550 مليون دينار من رصيد القروض الخاضعة لرقابة بنك الكويت المركزي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى