
نجلاء طفلة في العاشرة من العمر كادت تذهب ضحية لإهمال طبي أصبح مستفحلاً وبصورة تتطلب ثورة شعبية ضد كل مظاهر الفوضى والتسيب والإهمال التي صارت قاعدة في مؤسساتنا الصحية!
حكاية نجلاء قد لا تكون جديدة، فهنالك العشرات مثلها في كل يوم لكنها تبقى حكاية ذات مغزى مفاده أن الأخطاء الطبية بفعل الإهمال، وليس بسبب الخطأ البشري المحتمل، أصبحت تهدد الحياة، وتأكل من الأجساد أكثر مما تأكله الأمراض المستعصية بحد ذاتها!
نجلاء الصغيرة تنقلت بين أكثر من طبيب وأكثر من مستشفى قبل أن تنفجر في بطنها الزائدة الدودية التي كادت تودي بحياتها لولا عناية الرحمن! أكثر من طبيب وجراح عجزوا عن تشخيص أعراض يستطيع أن يشخصها الفرد العادي وغير المتخصص! لكن المشكلة هنا ليست مشكلة عجز عن التشخيص وإنما هي إهمال وتجرد من أبسط قواعد المسؤولية الطبية التي كان يفترض أن يتحلى بها ولو واحد فقط من أولئك الأطباء الذين فحصوا الطفلة نجلاء!
لكن معاناتها لا تنتهي عند التشخيص الخطأ والتسمم، وإنما لتستمر المعاناة بعد العملية، وفي أروقة مستشفيات هي أقرب لأسواق المزادات منها لدور الرعاية والعلاج الصحي وحيث يختلط صراخ عمال النظافة وأسرة التمريض بتأوهات المرضى وأنينهم! بينما تتخذ بعض العاملات من أركان الممرات غرف طعام مؤقتة تتبعثر فيها الأطباق مع رائحة الأكل النفاذة! ويصاحب هذا المشهد عزف متواصل لسيمفونية جدال المرضى وأهليهم مع إدارة الجناح وممرضيه وأطبائه! مشهد قاتم ومحزن في دولة لا يتجاوز عدد مواطنيها المليون، وتتمتع بدخول مالية هائلة وفوائض وثروة وافرة!
قد لا يكون هنالك جديد فيما رويت من مشهد مؤلم، فالمقالات حول الفوضى في أجهزة الدولة الصحية هي ولا شك أكثر من أن تحصى، لكن الفرد منا لا يستطيع إلا أن يتكلم ويكتب في كل مرة يجد نفسه في قلب تلك الفوضى!
إن المؤلم حقاً في المأزق الصحي في الكويت أن تدهور الخدمات والعناية الصحية ليس لأسباب تتعلق بشح الموارد أو بنقص في الجسم الطبي وإنما هي في أغلبها تعود لأسباب إدارية بحتة، فأزمة الغرف في المستشفيات سرعان ما يلغيها قرار من جهة نافذة، وتسيب الهيئة التمريضية يصححه تواجد شخصية مهمة في الجناح، وصراخ العاملين وفوضاهم يخرسها نفوذ عضو بارز في الدولة، وهكذا إلى أن أصبح الالتزام بالقوانين والنظم رهن ظروف مرضى أو وعكة تصيب المهمين وأصحاب النفوذ!
يفسر بعض العاملين في وزارة الصحة، سواء كانوا أطباء أو إداريين، المأزق الصحي في الكويت بكونه يعود لأسباب تتعلق بتواضع مؤهلات ومقومات الطاقم الطبي والتمريضي الذي أصبحت الكويت تستعين به، خاصة في مرحلة ما بعد الغزو! وهو أمر انعكس وبصورة مباشرة على الخدمات الصحية بشكل عام! بالإضافة إلى ما تشكله تكلفة العلاج في الخارج من ضغط على وزارة الصحة وميزانيتها! ويكفي أن نشير هنا إلى أن كلفة العلاج في الخارج في أقل من عامين كلفت الوزارة ربع مليار دولار وهو مبلغ كفيل بأن ينشئ مدينة طبية متكاملة الاختصاصات توفر العلاج للجميع!
نجلاء إذا كانت ضحية وتفاصيل حكايتها ستبقى رهن التكرار ما لم يقف الجميع في وجه أوجه الإهمال في المرافق الطبية، فهي قضية لا تخص الطفلة نجلاء وحدها وإنما كل مواطن، طالما بقيت في الحياة فسحة قد يربكها أحياناً عارض أو مرض طارئ يستدعي عناية القائمين على المستشفيات في الكويت!
