الأرشيف

لا تنظر للأعلى

[جريدة القبس 4/7/2022]

نشرت الصحافة مؤخرا، تقريراً مخيفاً عن البيئة في العراق، عراق الخِصب والنهرين، مهد الحضارات الزراعية وفن الري والمحاصيل الوافرة، التقارير اليوم تقول إنه وبالتزامن مع ارتفاع أسعار القمح في العالم إثر الحرب في أوكرانيا، فقد بدأ المزارعون العراقيون يدفعون ثمن قرار الحكومة بقطع الري عن المناطق الزراعية بنسبة %50 في وضع يَشهَد فيه العراق شُحاً شديداً في المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة وسحب المياه المستمر من نهري دجلة والفرات من قِبَل البلدان المجاورة، مما يُهدّد بِتَحوّل أكثر من نصف الأراضي في العراق إلى أراضٍ بور.
أصبح التهديد البيئي خطراً وجودياً يتربّص بنا جميعاً نحن أهل الأرض. ولن تُجدي معه حتماً كل الوعود البرّاقة الصادرة عن منظمات بيئية حكومية أو خاصة، ولن تمنع كلها أضراره ولا استفحال مخاطره علينا كجنس بشري، ما لم تكن النزعة للحفاظ على البيئة صادرة طوعاً من كل نفس بشرية تَقطن هذا الكوكب الأزرق.
صادف في إحدى السنوات أن جاء صيف جاف شحيح المطر ضرب أوروبا كلها. أتذكر حينها حجم الوعي لذلك الخطر، الذي اجتاح المواطنين بشكل كبير، وأتذكر كيف كانت إحدى الصديقات من إحدى الدول الأوروبية تتعامل يومياً مع المياه في حرص تَصوّرته حينها مُبالغاً فيه. لكنه من المؤكد يُشير إلى كيف يمكن أو كيف يجب أن تكون أولى الخطوات نحو المحافظة على البيئة ومواردها، وخصوصاً المياه، التي بدأت مؤشّرات حربها القادمة في التّشَكّل بعد أن بقيت وعلى مدى خمسة عقود مجرد تكهّنات أو تنبؤات لبعض الجيولوجيين وأهل الجغرافيا. وها هي اليوم معادلة العراق القاتلة تتصدّر عناوين الصحف، فلا دجلة ولا فرات ولا محاصيل.
في ديسمبر الماضي خرج فيلم “لا تنظر للأعلى”، وهو فيلم يَتَصَدّر البطولة فيه نجوم كبار بحجم “ميريل ستريب”، الفيلم أثار من الجدل ـ ولا يزال ـ الكثير، وهو يُقَدّم رؤية ساخرة على هيئة كوميديا سوداء، تتناول كيفية تعامل صُنّاع القرار والساسة والإعلاميين مع قضايا البيئة الكبرى، وعلى رأسها التغيّر المناخي.
يروي الفيلم قصة عالمي فلك مغمورين يحاولان تحذير العالم من نيزك يوشك على تدمير الأرض، مطالبين الجميع بالتحرّك قبل فوات الأوان، لكن جهودهما تلقى السخرية من الإعلاميين، وتَتَحوّل إلى مادة للتسلية الإعلامية.
الفيلم يَسخَر من الأنظمة السياسية الفاسدة والمتواطئة مع الشركات والمؤسسات والمشاريع الضارة بالبيئة، وأيضاً من الشعوب والأمم المُستَكينة والمُستَسلِمة لكافة الانتهاكات البيئية المتراكمة عبر استنزاف بشري شَرِه وجشع، انتهك البيئة وكل ما عليها وفوقها من حياة.
الفيلم يوجّه تهمة مباشرة للإدارة السياسية في أمريكا وللفساد المُستشري فيها، وللقرار السياسي الذي لا يخدم إلا مصلحة شريحة ضيّقة وصغيرة في المجتمع، هؤلاء يصوّرهم الفيلم وهم يغادرون الأرض داخل كبسولات صغيرة بعد حلول الكارثة ليعودوا بعد انقضاء آلاف السنين وصفاء الكوكب من جديد وعودته إلى حالته الأولى قبل التلوث والاستنزاف.
لن يُنقِذ العالم من هذا التدهور المخيف للبيئة مؤتمر يضم النخبة كمؤتمر دافوس الشهير، ولا كل الوزارات والجهات المُختَصة التي تدّعي محافظتها على البيئة، الوعي البيئي الذاتي لا يُحفّزه إلا الإحساس المباشر بالخطر، وهو ما أصبحنا نحسّ به فعلياً اليوم، فالحرارة في ارتفاع، والتلوُث بلغ أقصاه، والجفاف قتل الحياة، والفيضانات أغرقَت قرى بأكملها، وكلها لأسباب تعود إلى عَبَث الإنسان وليس إلى جنوح الطبيعة، فلقد استطاعت الأرض أن تُحافظ على هوائها نظيفاً نقيّاً عِبر ملايين السنين، كانت فيها الأمطار والثلوج تغسل الجو، والنباتات تمتص ثاني أكسيد الكربون بسلاسة، وتُطلِق الأكسجين في الأحياء، وحده الإنسان هو من غَيّر وعبثَ بهذه المعادلة الحيوية والفطرية للطبيعة، أشعَلَ الحروب، وبَثّ المواد المُشِعّة، زرع المفاعلات النووية وشوّه تناغم وانسجام الطبيعة مع أحيائها.
علينا اليوم جميعاً أن ننظر إلى الأعلى لا العكس، لمُحاصرة أي خطر وجودي قد يُنهي الأرض وما عليها، وأن ننظر إلى الأسفل كي نرى عن قرب فداحة جريمتنا ضد الطبيعة وأحيائها وتضاريسها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى