
التصريح الأخير لوزير الصحة الدكتور “عادل الصبيح” يدعو إلى اليأس والقنوط من احتمالات إصلاح جهاز الصحة المتآكل والمنهار!! ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن وزارة الصحة لا تزال بمعزل عن كل صرخات المواطنين المتذمرة من فوضى وزارة الصحة، وأناتهم وأوجاعهم العالية من واقع العلاج والدواء في هذا الوطن!!
فلقد أعلن الوزير الدكتور “الصبيح” مؤخراً عن مشروع يستحدث فتح الواجهة البحرية للمستشفى الأميري من خلال إجراء تحسينات جذرية لتوسيع الغرف وتوسعة واجهاتها لتكون هناك غرف خاصة بنظام “الخمس نجوم” وخدمات فندقية متميزة نظير أجور مناسبة!!
قد لا ننكر على وزير الصحة اهتمامه بالهيئة الخارجية لوزارته!! لكننا حتماً لا نعطيه الحق هنا بأن يتراجع بهمومنا الصحية والعلاجية ليقصرها على “غرف أنيقة” و”أثاث فخم” مهما يكن تبريره لها.
قد تكون هنالك حدود دنيا يفترض توفرها في غرف المستشفيات، تؤمن للمريض راحة وهدوءاً وهو أمر متوفر في مستشفى الأميري بالتحديد، والذي قد يحوي أخطاء كثيرة في البنيان بشكل عام، غير أن غرف المرضى فيه تتمتع بهيئة ومظهر معقول وجيد، لا يتطلب من الوزير “الصبيح” بذل أي (جهود مضاعفة) بل لو أن وزير الصحة سعى في جهوده الشكلية تلك لتحسين غرف مستشفى الصدري، لتفهمنا هنا وجهة نظره، حيث تعاني المباني كما الغرف في هذا المستشفى لتآكل بيئي ومناخي بفعل الزمن جعلها ملجأ للفئران وللصراصير.
مشكلة وزير الصحة، كما غيره من وزراء عبروا بهذه الوزارة أن معالجة الشكليات غالباً ما تتصدر أوليات أعمالهم، لأن عامل الزمن في إنجاز الشكليات بوزارة الصحة أسرع بالصورة التي تؤمن للوزير فرصة أكبر لأن تدرج وتسجل باسمه، ومن ثم تنسب لحقبته الوزارية!! بينما تشترط الإصلاحات الجوهرية في الأداء والتطبيب والتجهيز، زمناً أطول وجهوداً مضاعفة، وتراكماً في المعالجة يمتد من وزراء سابقين، وإلى وزراء قادمين!! وقد لا تكون تلك خاصية تقتصر على وزارة الصحة وحدها!! غير أنها تكون مضاعفة في حالة هذه الوزارة المهمة.. خصوصاً مع التراجع الهائل في أداء الوزارة بشكل عام!! والذي يجعل من مشاريع شكلية كالغرف الطبية ذات الخمسة نجوم، مشاريع متناقضة مع روح وجوهر التعديل المطلوب في الجهاز الطبي إدارياً وفنياً!! كذلك جاءت إشارة الوزير “الصبيح” إلى ضرورة إعادة النظر في فلسفة العلاج بالخارج، متناقضة مع أهداف العلاج بالخارج أساساً والتي يُفترض أن تكون للحالات المستعصية والمعقدة التي لا يتوفر علاجها في مؤسساتنا العلاجية، وليس للحالات الضعيفة مادياً!! بدليل أن بعض معالجات الوزير لما يتعلق بهذه الفلسفة لم تتطرق للجوانب العلاجية بقدر ما تطرقت للجوانب المالية البحتة منها، مثل إلغاء بدل مرافق المريض، ووقف المترجمين للمرضى المبعوثين من قبل الوزارة، وأخيراً مشروع صندوق بمليون دينار يوضع كمحفظة في اللجان الخيرية لمساعدة مرضى وزارة الصحة في الخارج!!
وقد تبدو مثل هذه الإجراءات منطقية لمعالجة الإسراف والفوضى في بند العلاج بالخارج المرهق، لو لم يصاحبها توثيق مسجل في محاضر مجلس الأمة لـ 18 حالة علاج بالخارج تم استثناؤها إلى الآن في حقبة الوزير “الصبيح” و62 حالة أخرى مستثناة في عهد الوزير السابق!! وكلها حالات قابلة للعلاج في الكويت وبشهادة أطباء متخصصين وأكفاء في مجالاتهم العلاجية والطبية!! وهو أمر يبعث إلى التشكيك في مدى جدية الوزير “الصبيح” في إعادة النظر بفلسفة العلاج بالخارج!! من الواضح أن الدولة مترددة في إدراج الخدمات الصحية ضمن (حزمتها) الاقتصادية لأسباب قد يكون بعضها إنسانياً بحتاً، مثل عدم رغبتها في تكليف أصحاب الدخول المحدودة مزيداً من الأعباء المالية، أو في تحقيق عائد مالي من وراء خدمات صحية ضرورية كالطوارئ والتطعيمات، والخدمات الأساسية!! وتلك أمور مقبولة ومنطقية!! غير أن بإمكان وزارة الصحة تحقيق عائد جيد من خلال رسوم ولو بسيطة نسبياً على خدمات صحية لا تشترط صفة الضرورة أو الاستعجال!! وبحيث تستطيع من خلالها أن تؤمن دخلاً ولو متواضعاً، بالإضافة إلى ترشيد الإستهلاك الدوائي والعلاجي والحد من الفوضى والتسيب في استخدام الخدمات الطبية بشكل عام!!
وعودة أخرى إلى خدمة وزارة الصحة الفندقية ذات الخمسة نجوم والتي تذكرنا بملاحظة يتفق عليها الكثيرون، مغزاها يقول إن هناك علاقة وثيقة بين الإسراف في المظهر الخارجي الشكلي للمؤسسة العلاجية، وبين تدني مستوى العلاج فيها!! وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا، فإن الواقع يقول إن الخدمة الفندقية في مستشفيات تعالج مرضاها في الخارج بملايين الدنانير، ستكون كرتوش المكياج الرخيص فوق تضاريس وجه عجوز أكل عليه الزمن وشرب!!
