
في جلسة مجلس الأمة الأخيرة تصاعدت حدة الحماس المطالبة بوضع حلول جذرية لمشكلة الإسكان في الوطن، محذرة من خطورة الاستمرار دون سياسة واضحة للإسكان!! ومن قبل سياسة الإسكان، تصاعدت حدة النقاش بشأن الحقوق السياسية للمتجنسين، ومن قبلها قانون المديونيات وغير ذلك من قضايا حساسة تمس مستقبل الوطن بشكل يدعو إلى القلق!!
وكل تلك القضايا تناولها الوطن بمؤسساته ومواطنيه بالنقاش، والبحث، والنقد والاحتجاج أكثر من مرة!! ولم يصل أي من هؤلاء إلى تصور، ولا نقول حلاً كاملاً، وإنما فقط تصور للأسلوب الذي قد يشكل العقبة الأولى في طريق الإصلاح والتقويم!!
لا يشك أحد في أن لأية مشكلة أو قضية توجد هنالك مراحل هرمية للحل!! وأن عرض المشكلة وإعلانها وتحليل أبعادها، وهو مرحلة أولى وحساسة وهامة!! لا تقل عن الحل ذاته!! والإعلان عن المشكلة أو القضية يحمل لواءه الكل، فالجميع له الحق في عرض المشكلة. وذلك واجب ومهمة وطنية، لكن ليس بيد الجميع يكمن الحل لأسباب تتفاوت بين المقدرة والاختصاص.. والحق في سرد ووضع الحلول التنفيذية!!
مجلس الأمة، وهو ولا شك إحدى الجهات المخولة بعرض المشكلة وتقديم الحلول في آن واحد!! بمعنى أنه نظرياً، من المفروض بالمجلس كهيئة ومؤسسة.. أن يكون بحوزته تقديم عرض وحل لمشاكل الوطن.. أفضل بكثير ما يجود به المواطن سواء كان حديثاً أو كتابة أو حتى صراخاً.. في حالات تفاقم الانفعال لدى المواطن.. وهي كثيرة ولا شك!!
أية محاولة لصياغة أو حتى لاقتراح حل لأصغر مشكلة، لن تكون دون أن يكون هناك استمرارية في العرض وإصرار في طلب الحل!! وهو أمر عجز أو تخاذل عنه المجلس منذ أن دشن أول اجتماعاته!! فإلى الآن لم تتجاوز أية قضية أكثر من جلستين، اللهم إلا قضايا الجدل والخروج عن النص.. أو عن الدور المفروض المجلس، مثل: قضايا النقاب.. والمنحة الجامعية!!
لقد عرض المجلس، ومنذ أولى جلساته، لكل القضايا التي تؤرق الوطن والمواطن!! وتلك مسألة خارقة، ولا نقول بطولية أو حكيمة!! فإذا كانت مدة عرض المشاكل فقط.. قد استغرقت من المجلس ثلثي مدته، فكم سيحتاج المجلس من وقت لكي يعرض حلاً واحداً لمشكلة واحدة من المشاكل العالقة؟!
لا نبالغ إذا ما قلنا أن للمجلس مشكلة واحدة، عليه مواجهتها الآن وهي إحياء الثقة به والتي تبدو مهزوزة بفعل المشاحنات والعرض المستمر للقضايا بصورة يغلب عليها في أحيان كثيرة الطابع الهزلي!
المواطن على علم، بلا شك، أن المجلس كان بإمكانه أن يجد مخرجاً لواحدة على الأقل من تلك القضايا يختم بها مشاهده الرتيبة، لو توفرت الرغبة والاستمرارية للوصول بها إلى مشهد النهاية!! ولكنها (لو) فاتحة عمل الشيطان، كما يقال، والتي على ما يبدو أيسر وأقصر نحو مزيد من الاستعراض وللغو في ما هو أبعد من هاجس المواطن!! وما تبقى الآن من زمن المجلس.. بالكاد يكفي للترويج للمنازلة المقبلة في خيام المرشحين!!
لا نريد من وراء حديثنا هذا.. أن نروي شبق البعض المتحمسين للحط من شأن ومنزلة الديمقراطية والحس والوعي الديمقراطيين!! فالمجلس ما هو إلا وجه للديمقراطية ونتيجة لا مسبب لها، كنهج ومفهوم حضاري تقدمي!! بل ولعل بعض النواب المحترمين من يرى في وجوده تطبيقاً وتحقيقاً للديمقراطية.. يكفيه عن حل أية قضية من قضايا الوطن العالقة منذ الأزل.
الإسكان.. والصحة.. والجيش.. والجنسية.. قضايا خالدة.. على ما يبدو في هذا الوطن!! على الرغم من أن إنجازها هو من اللبنات الأولى للبنية التحتية والأساسية لأي مجتمع أو دولة كانت!! لذا، فمن المنطقي جداً أن يتذكر المواطن، وأن لا نلومه إطلاقاً في تذمره هذا.. حين وجد أنه يملك وطناً.. ولكن بلا بنية!!
