الأرشيف

الحكومة ليست “شماعة” بل متهم رئيسي!

[جريدة الطليعة 29/4/1998]

لا يختلف اثنان على أن الوضع الاقتصادي في هذا الوطن متدهور، وأن كل المؤشرات تشير إلى مزيد من التدهور!! وسواء كان ذلك بفعل انخفاض أسعار البترول، الذي انعكس وبصورة طبيعية على الميزانية!! أو كان ذلك التدهور بفعل سياسات اقتصادية خاطئة!! فإننا وفي كل الأحوال أصبحنا بحاجة ماسة إلى إعادة نظر جادة في واقعنا الاقتصادي الحالي!!
في المؤتمر الأول لرجال الأعمال أشار سمو ولي العهد إلى أن أبرز أسباب المشكلة الاقتصادية التي واجهتها وتواجهها الكويت أحداث سياسية وتطورات اقتصادية استمرت سنين كثيرة وكان يصعب تفاديها أو التحكم بها، مشيراً إلى أن أي حلول للمشكلة الاقتصادية يجب أن تضع في اعتبارها الأوضاع والأبعاد الاجتماعية والسياسية!!
اللقاء تضمن وكالعادة وعوداً كثيرة حول سبل الارتقاء بالمناخ الاقتصادي بشكل عام!! وهو بذلك لا يكون مختلفاً عن أي من اللقاءات التي سبق أن عقدها رجال المال والاقتصاد في هذا الوطن!!
قد لا يحتاج الأمر إلى رجل أعمال أو خبير في الاقتصاد ليتبين أن هنالك خللاً في إدارة عجلة الاقتصاد، وأن ذلك الخلل لم تسببه كوارث اقتصادية عبرت بنا، بقدر ما هو خلل في أسلوب التعامل وعقلية المعالجة التي تمت أثر تلك الكوارث!!
وعلى سبيل المثال، فإن إجراءات التعامل مع كارثة المناخ العام 1982، أفرزت من السلبيات والخسائر والتراجع في الأداء الاقتصادي بشكل عام، أكثر بكثير مما أفرزته الكارثة بحد ذاتها!! بحيث أصبح علينا اليوم معالجة سلبيات الإجراءات لا الكارثة، وهو ما يُقر به ويشهد عليه كل رجالات الجسم الاقتصادي في هذا الوطن!!
إن غياب القرار، وآلية الاصلاح الجادة، هو ما تعاني منه الأوضاع الاقتصادية!! وهو غياب أدى ولا شك إلى تراجع ثقة المواطن والمؤسسات الاقتصادية بحقيقة النوايا الإصلاحية.
ولعلَّ في تدهور سوق الأوراق المالية، على الرغم مما يجب أن يوفره حدث اقتصادي بهذا الحجم من عوامل تعزز من نشاط السوق، ما يؤكد حجم ودرجة فقدان الثقة بجدية مثل هذه المؤتمرات واللقاءات الاقتصادية!! والتي عادة ما تكون حافزاً ودافعاً لمزيد من النشاط والحركة في مجتمعات اقتصادية أخرى!! ولا داعي لذكر أهمية الثقة في أي اقتصاد كان، ودورها المباشر في إنعاش وتنشيط كل التعاملات المالية والاقتصادية!!
إن مسؤولية التدهور في الأداء المالي والاقتصادي بشكل عام، هي مسؤولية الحكومة بالدرجة الأولى، حتى وإن حاولت جاهدة إنكار تلك المسؤولية. وكما جاء على لسان وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، السيد ناصر الروضان الذي أعلن في تصريح له ضمن فعاليات مؤتمر رجال الأعمال، رفضه لتحميل الحكومة وحدها مسؤولية غياب القرار السياسي في الشأن الاقتصادي، مؤكداً أن من السهل تماماً الهجوم على الحكومة ووضعها كشماعة لتعليق الأخطاء عليها!!
ونحن بدورنا نسأل الوزير الروضان: إذا كانت الحكومة بريئة فعلاً فإلى من يوجه المواطن مسؤولية كوارث اقتصادية حدثت بفعل غياب القرار السياسي من الحكومة!! ومن المسؤول يا ترى عن كارثة 1976، وكارثة 1982!! اللتين لا تزالان تلقيان بهمهما الثقيل على المناخ الاقتصادي في هذا الوطن!! بل أننا نستطيع وبكل إنصاف لا تشوبه أي تهم زائفة أو مفتعلة!! أن نقول أن غياب القرار السياسي قد أدى وبصورة مباشرة إلى كارثة العام 1982!! حين تجاهلت الحكومة القوانين القائمة والموضوعة، وامتنعت عن استخدامها وتطبيقها بصورة كان بإمكانها أن تحول دون وقوع الكارثة أساساً!!
كذلك أدى غياب القرار السياسي إلى استفحال الأزمة، وإلى استمرارها كل هذه الأعوام، لأسباب تعود مباشرة إلى عجز الحكومة عن الخروج بقوانين واجراءات علاجية للأزمة، بل وساهم إلى حد كبير في استمرارها وبقائها مهيمنة على المناخ والأداء الاقتصادي.
ومن الطبيعي أن يتراجع الاقتصاد وينهار في ظل ظروف ومناخ كهذا!! ومن الطبيعي أيضاً أننا ومع غياب القرار السياسي الجاد في التعامل مع أزماتنا الاقتصادية، نفتقد الثقة في اقتصاد متماسك وقوي وواثق!!
فالثقة ولا شك عنصر هام ورئيسي لتحقيق أي من (الأحلام) التي عبر عنها رجال الاقتصاد في اجتماعهم!! فالدعوة على سبيل المثال، لتفعيل وتهيئة القطاع الخاص للمساهمة في إدارة بعض الخدمات، هي دعوة توارثتها أجيال اقتصادية على مدى ما يقارب الثلاثين عاماً، وهي لا تزال مجمدة في انتظار تأشيرة القرار السياسي للعبور نحو حيز التنفيذ!!
كثيرة هي الشجون الاقتصادية، يتحدث فيها رجال المال والأعمال، ويتحمل تبعاتها وإخفاقاتها المدرس، والطبيب، والعامل، والجميع!! وستبقى الشجون قائمة، إلى أن تُقر الحكومة بأنها ليست (شماعة) لتعليق الأخطاء الاقتصادية، بل متهمة رئيسية في كل شجوننا وإخفاقاتنا الاقتصادية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى