
للإجابة على السؤال نوجز قصة نشرتها سارة ديفيدسون في مجلة نيوزويك، تروي فيها قصة والدتها التي أصيبت بالخرف! تقول سارة إن والدتها كانت ذات شخصية قوية ومتطلبة وعنيدة في رأيها وتوجهها بشكل عام! كانت والدة سارة بارعة في لعبة البريدج التي تتطلب قدراً كبيراً من التركيز، بالإضافة إلى إبداعها في المسرح الموسيقي! وعندما بلغت عامها الثالث والتسعين أُصيبت بالخرف وتدهورت قدراتها العقلية، كالذاكرة والتركيز والقدرة على التفكير! تقول سارة إن هذا الخرف قد بدأ في نهاية الثمانينيات من عمر والدتها، حيث بدأت بنسيان أمور قريبة ولصيقة بحياتها اليومية كتخرج أحفادها أو أعياد ميلادهم، ثم تطور الأمر إلى أن أصبحت وهي في الحادية والتسعين من عمرها بحاجة إلى رعاية متواصلة.
لكن الأمر الذي لاحظته ولمسته سارة أثناء متابعتها لحالة والدتها، إنها – أي الأم – أصبحت غير قادرة على استرجاع أي ذاكرة من الماضي وإن كان قريباً، ولا على استنباط المستقبل ولو كان على مدى التخطيط لوجبة غذائية، فأم سارة أصبحت محصورة في محيط اللحظة الآنية وليس غير ذلك! وقد كان لذلك أثر مباشر في شخصيتها التي أصبحت أكثر هدوءاً وسعادة، وخالية تماماً من أدنى مقومات القلق أو الغضب أو الانفعال! دكتور والدة سارة أطلق على حالتها هذه ما يمكن تعريفه بالذهان السعيد، أو الخرف الممتع! وهي حالة تحدث لبعض المصابين بالخرف، حيث ينقطع اتصالهم بالأسلوب التقليدي في استخدام العقل كأداة تفكير وتخطيط تعتمد على استرجاع محطات من الذاكرة القديمة والمرتبطة بأحداث وأشخاص وتجارب ماضية، ووصلها باحتمالات وطموحات وأمانيّ مستقبلية! وهو أمر يمارسه البشر كافة وبشكل جعلهم يغفلون عن اللحظة الحقيقية الوحيدة في سياق الزمن والتي هي اللحظة الراهنة أو الآنية!
أكثر من تعرض لانعكاس فقدان العقل على الراحة النفسية هو الدكتور أوليفر ساكس الأستاذ في جامعة كولومبيا، الذي كتب العديد من الكتب عن حالات الأمراض العصبية التي تؤثر في قدرات العقل.
الدكتور ساكس تناول حالة أحد مرضاه من الذين فقدوا الذاكرة، وفقدوا القدرة على استخدام العقل بالشكل المعتاد، وكيف أن هذا المريض قد أصبح غارقاً في سعادة لامتناهية مع بلوغه الستين من العمر، إثر خلل أصاب عقله وأفقده القدرة على التذكر واسترجاع الماضي، بالنسبة له – أي المريض – وكما ذكر، فإن الحياة بلا ذكريات تقلق العقل وتؤرق الذاكرة، هي قطعاً أجمل، ولم يمنعه ذلك من مزاولة عمله كمحاضر، حيث أصبح يقرأ محاضراته مباشرة من مذكراته المدونة بعد أن فقد القدرة على استرجاعها بواسطة العقل!
هل يمكن إذاً القول هنا إن المجانين في نعيم كما هو شائع؟ وماذا عن المشاعر والأحاسيس، هل يربكها تقوقع الذاكرة، وتراجع القدرة العقلية؟ ذلك سيكون محور حديثنا في المقال المقبل.
هل العقل زينة؟! (2-2)
[جريدة القبس 1/3/2011]
استكمالاً لحديثنا حول دهاليز العقل وحيله، سؤال طالما يطرحه العلماء والمعالجون النفسانيون، عما إذا كانت هنالك جذور بيولوجية للقيم والأخلاق، ومفاهيم الصح والخطأ، والعيب!
قام أحد المواقع الإلكترونية ببحث حول ذلك، وحيث يطرح الموقع بعض المواقف التي تتطلب ردود فعل حاسمة! أحد هذه المواقف يتناول سؤالاً حول تصرفك الشخصي لإنقاذ خمسة غرقى بسرعة، وأنت تقود قارب نجاة، لكن السرعة المطلوبة لإنقاذ الغرقى الخمسة ستؤدي إلى موت أحد الركاب معك غرقاً بفعل سرعتك، فماذا تفعل؟ هل تسرع فينجو الخمسة ويموت الواحد؟ موقف آخر يتطلب البت في منع الدواء عن مريض شارف على الوفاة، في سبيل إنقاذ مرضى بانتظار أعضائه، هل توقف الدواء عن شخص واحد لتنقذ عشرة مرضى أم ماذا؟
كثيرة هي المواقف التي تواجهنا جميعاً، وتتطلب قراراً، بمعنى تفكير حقيقي، ولن أقول صائباً، لأن لا صواب أو خطأ هنا! والبعض يقول إن الأمر هو سيد الموقف، وإن الإجابة عن معضلات كالتي سبق ذكرها لا يمكن افتعالها، وإنما هي تأتي جاهزة مع الموقف!
إجابة مقنعة بعض الشيء، لكن العلم – وفي سعيه لتفكيك شيفرات العقل – لا يزال يحاول الخروج بإجابات مقنعة علمياً، أي قابلة للبحث!
المثير هنا، أن البحث المتعلق بالحالات السابق ذكرها قد رصد إجابات عديدة من ناس ينتمون إلى ثقافات وأديان مختلفة، بل إن منهم الملحد الذي لا يعطي للعاطفة والإيمان مكاناً، لكن الشيء المشترك بينهم هنا هو أنهم أعطوا جميعاً إجابات مشتركة ومتطابقة!
وهو ما يؤكد أن العاطفة أو المشاعر ليست دائماً الفيصل في القضايا والأحكام، حتى وإن كانت أحكاماً تحمل صبغة أخلاقية! فالشخص الذي أيد قتل مريض واحد في سبيل إنقاذ عشرة مرضى، أو الذي قبل بإنقاذ الغرقى الخمسة، وقتل الراكب الواحد في المركب، هو ليس شخصاً مجرماً، بمعنى أنه لن يؤيد قتل إنسان في الظروف العادية!
خلاصة مثل هذه التجارب، وغيرها عديد من الحالات المشابهة، تقول إن الطبيعة قد زودتنا بقدر معقول من الأخلاق، الذي يشكل اللبنة الأساسية لكل دوافعنا العاطفية في ما بعد، ومشاعرنا الغريزية تجاه الصواب والخطأ!
لا يزال العلم حائراً في تفسير خاصية العقل وعلاقته بالشق المادي من الجسد البشري، أي المخ والجسم ككتلة مادية! ولا يزال عمل مئة مليار خلية عصبية تتحرك لتشكل مادة العقل.
لا يزال سراً لم يكشف العلم سوى جانب يسير جداً منه، ولا تزال ثنائية العقل، الجسد، مرفوضة لدى بعض الديانات، كالبوذية التي ترى أن الفصل بين العقل والجسد هو جهالة من صنع البشر، وأن في انصهارهما معاً تكمن حقيقة كل الأشياء!
