الأرشيف

مواطنون كسبة

[جريدة القبس 3/10/1994]

رفع رأساً ناصع البياض كقمة مغطاة بالثلوج.. وبادر بقوله “إنها الحقيقة… وللأسف.. فالكويت ليست بسكن العالم!!”.
رجل جليل بسنوات عمره، وقور حكيم بما عاصر وعاش من تجارب، وكبير بعلمه واطلاعه!! وقف بقامته الصغيرة، وسط أعمدة متراصة من الكتب والمراجع، مبدياً أسفه على ما حل بهذا الوطن من تراجع مخيف لمكانة العلم والعلماء!! في مقابل جشع المادة وحمى الكسب!! أو كما أوجز هو في كلمات قليلة: “أنه بلد كسبة.. لا بلد علماء”!!
كلمات تنطق بالحكمة، وتؤكد حقيقة نمعن في تجاهلها جميعاً في هذا الوطن!! خاصة في أعقاب كارثة الوطن.. حيث أصبح ذلك الواقع مسيطراً وسائداً في ما ننتهجه من سياسات سكانية كانت أم تعليمية.. فنحن، وكما قال ذلك الشيخ الجليل، بلد لا يجذب العالم، ولا يرعاه!!
فعلى الرغم من أن مؤسساتنا العلمية تحمل في سياساتها برامج لرعاية العلم والعلماء، وخططاً لتنمية القدرات العلمية في بدايتها!! إلا أنها برامج لا ترقى إلى حيز التطبيق الفعلي.. والأمثلة من حولنا تنطق بذلك.. وأكثر من أن تحصى!!
ما يقلق في الأمر حقاً.. أن حيز الاهتمام الضئيل والمتواضع للعالم لم يأت على المستوى الرسمي ممثلاً بالهيئات والمؤسسات العلمية، وإنما هو كذلك على المستوى الشعبي والمجتمعي!! فالعلم لا يطعم خبزاً، أو بوضوح أكثر، لا يطعم خبزاً فاخراً كالذي توفره مهن واهتمامات أخرى!! والعالم لا يملك مكانة واحتراماً كالتي يملكها صاحب المال والجاه!! فلا غرو إذاً.. إذا ما أصبحت أقصى الطموحات العلمية في هذا الوطن تحمل صفات لدرجات وظيفية توفر للحاصل عليها خبزاً أفضل!!
في المجتمعات المتقدمة من حولنا، والتي غالباً ما نستعين بعلمائها في الطب والاقتصاد والتعليم، ليس للعالم فيها هوية ولا جنسية ولا لون، فالعالم ملك للبشرية، وانتماؤه وهويته غالباً ما يكونان للأرض وللمجتمع الذي يتبناه!! وما يملكه هؤلاء العلماء من مقدرة على تسخير علمهم للصالح البشري العام، هي بلا شك صفة حاضرة لدى عقول كثيرة تقطن بيننا!! فالعالم ليس بمخلوق معجزة، وإنما هو نتاج لمجتمع قدر قدراته العلمية والذهنية المميزة، ووفر له مناخاً يتحرك ويعمل من خلاله!! فعلى الرغم من شح العلماء فوق أرضنا العربية، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجودهم. فعالم طب “كمجدي يعقوب” وغيره من علماء ذرة واقتصاد وسواهم تستعين بهم دول وجامعات كثيرة.. أثبتوا بلا شك أن الأرض العربية ليست بسكنهم، وأن للعالم احتياجات أساسية، لا يوفرها المناخ العربي السائد!!
أما في ما يتعلق بهذا الوطن على وجه الخصوص، فلقد شهدنا وعايشنا كيف اختلطت علينا الرؤى، وفقدنا معها مهارات وكفاءات سرعان ما تبنتها جامعات ومؤسسات علمية تؤمن بأن لا حدود جغرافية ولا سياسية للعالم!!
لا شك أن الفقر من ألد أعداء العلم، والحاجة هي العثرة الأولى أمام العالم!! وعلى الرغم من مبادرة البعض بالقول هنا أن تلك أمور مادية لا علاقة لها بالنبوغ والعلم، إلا أنها حقيقة وللأسف جعلت من العلم بأكمله وسيلة لا غاية!!
في المجتمعات التي تؤمن بالعلم وتنمي قدرات العلماء وترعاها يتم استثناء العالم والباحث والنابغة من ضغوط ومتطلبات العيش اليومية. فهم يدركون أن العالم مورد من موارد البلد، وأن رعايته هي استثمار لذلك المورد، يقينا منهم بالعائد الذي يجنيه الجميع من وراء إنجازاته!!
وكما أن الفقر والحاجة عدوان للعلم، فإن الحرية هي الركيزة الأساسية التي يستوي فوقها العالم.. والمقولة الخالدة تبقى في أن لا علم دون حرية!! ولا عالم دون أجواء حرة مفتوحة!! أما أن نفتح نصف الباب.. وندعي أننا وفرنا حرية للعلم وللعلماء فتلك سذاجة.. وجهل!!
ونعود من حيث بدأنا بشيخنا الجليل.. ونتأكد أكثر من أننا في هذا الوطن قوم “كسبة” لا قوم علماء!! فشيخنا، على علمه، ليس من علية القوم ولا بأهمهم!! سكن في مكتبته ذات الأعمدة المتراصة الملأى بالكتب والمراجع!! مطلاً من ورائها على عالم أسرف في كل شيء.. إلا ما تعلق منه بالعلم والمعرفة!! ولا غرو إذا ما بدا عالماً غريباً لشيخنا الجليل، فالعرف جرى أن لا متسع لعالم وسط طموح الكسبة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى