غير مصنف

الإنترنت… والشريعة!!

[جريدة الطليعة 29/12/1999]

قررت مؤخراً شركة “كوالتي نت” إغلاق كل منافذ الكبار أو ما يسمى بـ “Adult Sights” وذلك مساهمة منها في حماية الأبناء والمجتمع من الانفتاح الخطير الذي توفره شبكة الإنترنت!! وهي إن كانت مشكورة على هذا الإجراء، إلا أن السؤال الذي أصبح عالقاً هو عن طبيعة الخطوة الثانية التي ستعقب هذا الغلق!! وعن إمكانية حماية المجتمع بذلك الإجراء، وفرص استمراريته!!
قد لا نكون وحدنا الذين يعانون من ذلك القفز التكنولوجي المذهل، وهذا الانفتاح المعلوماتي الذي جعل الكلمة والصورة تنطلق بسرعة الضوء بين كل بقاع الأرض!! فبرامج الكمبيوتر التي توفر حماية للأطفال أصبحت رائجة أكثر من رواج جليسات الأطفال وذلك في الولايات المتحدة وأوروبا. غير أن البرامج المعطلة أو المبطلة لتلك البرامج الرقابية هي أيضاً منتشرة.. فكلما خرج برنامج جديد يمكن الأسرة من فرض رقابة داخلية على بعض النوافذ في الإنترنت، جاء برنامج آخر يبطل مفعوله، ويخترق خصوصية ورقابة المنزل والأسرة!!
قد يكون من الصعب بمكان محاصرة ذلك الانفتاح المعلوماتي والإلكتروني المقبل من الفضائيات أو من الإنترنت، على الأقل في الوقت الحاضر.. لكن بالإمكان خلق بدائل تبطل تأثير بعض المبادئ والقيم الأخلاقية والدينية أو تخفف من وقعها وأثرها في نفوس الأبناء والشباب!! فالهجوم الذي يشنه البعض على الإنترنت أو على الفضائيات لا يقابله استعداد أو جهد لفتح منافذ وشبكات بديلة توفر انسجاماً بين معتقداتنا وعاداتنا، وبين ما يؤمن به وما يروج له الآخرون!! بخاصة إذا ما نحن أدركنا أن عدد المواقع على الإنترنت في عام 1997 مثلاً قد بلغ 200 مليون موقع، وهي في تزايد مستمر يصل إلى درجة التضاعف!!
إن مجابهة سلبيات الفضائيات والإنترنت لا تكون بالحجب ولا بالانغلاق والهروب، بل بالتحضير والاستعداد للانصهار في الذوق العالمي المشترك. ونحن حتى الآن لم نقدم أي مشاريع جادة أو استعدادات ناضجة!! ولعلّ في النقاش الذي دار في أسبوع الشريعة السابع الذي أقامته جمعية الإصلاح الاجتماعي ما يؤكد ذلك!! حيث لم يتجاوز النقاش نطاق التنظير والخطابة والتحذير من مخاطر الفضائيات والإنترنت من دون المبادرة بوضع مواقع على الشبكة بخلاف مبادرة متواضعة جداً من كلية الشريعة في جامعة الكويت والتي أعلنت عزمها عن تخصيص طالب أو طالبة لدراسة الماجستير حول الإنترنت والشريعة. غير أن المشروع لا يزال في طور المناقشة والتفاوض بين كلية الشريعة من جهة، وكلية الهندسة من جهة أخرى!! نحن لا نقول إن ذلك الانفتاح المعلوماتي سواء المقبل من الإنترنت أو الفضائيات لا يحمل سلبيات ومخاطر!! ولكن نقول إن هنالك قصوراً واضحاً سواء من حيث تحديد تلك السلبيات أو من حيث أسلوب المواجهة والتعامل معها!! وإذا كان الإنترنت على سبيل المثال قد أتى بانفتاح دون رقابة فإنه قد خلق أيضاً تواصلاً بلا حدود بين مؤسسات علمية وطبية ومهنية وغيرها، ويكفي أن نذكر هنا أنه في العام 1997 تم حصر 200 مليون موقع على الإنترنت كان ٪99 منها نظيفاً في حين أن ٪1 فقط هي نسبة المواقع المخلة بالآداب. وهي نسبة لا تستدعي كل هذه الضجة المفتعلة!! بخاصة أن من المعروف بل والمألوف أن لكل إنجاز علمي أو طبي أو تكنولوجي شهدته البشرية آثاراً سلبياً، أو غير مرغوبة!! ولعلنا نتذكر هنا ذلك الخوف والرعب الذي أصابا الكثير حين تم استنساخ النعجة “دوللي”!! لأننا رأينا في ذلك تعارضاً مع معتقدات راسخة، متجاهلين بذلك كل النواحي الإيجابية التي سيحققها الاستنساخ في مجالات الطب!! يومها أيضاً عقدت الندوات لمناقشة سلبيات الاستنساخ ووضع قوانين لتلك العملية!! بل لقد كان ذلك الخوف ظاهراً حتى قبل النعجة “دوللي” ومع بداية الإعلان عن بعض التجارب الجينية، لأنها تصطدم لدى البعض بمعتقدات ومسلمات راسخة!! يومها عقد في جنيف مؤتمر ضم قيادات من كل الطوائف، إسلامية ومسيحية، ويهودية وبوذية وهندوسية!! وحاول المجتمعون في ذلك المؤتمر أن يضعوا شروطاً لتجارب الهندسة الوراثية تهدف إلى الحد من التلاعب في الجينات البشرية بصورة قد تضر وتسيء إلى الدين وإلى العقيدة!! لكن ما نراه الآن يؤكد أن تلك المحاولة لم تلق نصيبها من النجاح!!
باختصار إذاً نستطيع أن نقول إن سلبيات الإنترنت والفضائيات ما هي سوى جزء من ذلك التطور العلمي والتكنولوجي المذهل الذي حول العالم إلى قرية صغيرة متجاورة وجعل معدل عمر الإنسان يتجاوز الثمانين عاماً بعد أن كان يموت في الأربعين وقضى على الأوبئة والأمراض، وأرسل الإنسان إلى الفضاء، وقصر المسافات ووفر الغذاء!! إذاً تداعيات ذلك التطور المذهل كثيرة، ونتاجات الإنترنت والفضائيات مثمرة!! أما الخوف الذي يعبر عنه البعض فهو خوف من التعامل مع ذلك التطور جهلاً به وقصوراً في محاكاته ومواجهته!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى