
إذا أردت أن تدرك مدى تجاهل الدولة لقضايا حساسة وجوهرية هي في صلب استقرار الوطن، وأمنه وأمانه المستقبلي! ما عليك سوى أن تتجه شمالاً إلى منطقة “الصليبية” لتشهد هنالك مأساة وكارثة مستقبلية تنمو وتكبر تحت نظر وسمع أصحاب القرار في هذا الوطن، بل وبرعايتهم!!
في الصليبية، تمتد أمامك بيوت أو إن صح التعبير، أشباه بيوت ومساكن، هي أقرب لأعشاش الحمام منها إلى السكن الآدمي!! والكارثة هنا ليست في مستوى السكن وظروفه وحسب وإنما هي كارثة من حيث أن تلك المساكن تأتي بمثابة إقرار واعتراف من الحكومة باستمرار أزمة الأزمات في الكويت!! حيث خصصت الدولة تلك المنازل بل ومنطقة “الصليبية” بأكملها لفئة “البدون” وزودت المنطقة بالمدارس، والمساجد، والأسواق المركزية!! وهي وإن كانت مبادرة تشكر عليها الحكومة على إيوائها هؤلاء!! إلا أنها في الجانب الآخر تقف شاهداً على مدى تجاهل الحكومة لأبعاد الابقاء على مشكلة “البدون” عالقة، على الرغم من كل ما تعنيه وتجسده من خلل وسوء تقدير وقياس إداري كبير!!
مشكلة “البدون” ليست هي العلّة الوحيدة التي تعاني منها التركيبة السكانية في هذا الوطن!! فلقد أعلنت مصادر مسؤولة أخيراً عن أرقام ومعدلات مخيفة فيما يتعلق بالنسيج البشري في الكويت!! حيث تقول تلك المصادر أن عدد سكان الكويت في الخامس عشر من شهر مارس الماضي قد بلغ مليونين ومئة وخمسة وأربعين ألف نسمة!! كان فيها عدد الكويتيين 760 ألف نسمة فقط!! بينما كان توزيع الجاليات الأخرى كالآتي: المصريون (271 ألف نسمة)، الأردنيون (29) ألف نسمة، والفلسطينيون (8800) نسمة أما العراقيون (10100) نسمة والسوريون (94600) نسمة، واللبنانيون (34) ألف نسمة أما الهنود فكانوا (262) ألف نسمة، والباكستانيون (100) ألف نسمة والإيرانيون (69) ألف نسمة والبنغلاديشيون (141600) نسمة والسيرلانكيون (167) ألف نسمة، والفلبينيون (50) ألف نسمة أما “البدون” 124 ألف نسمة!!
خريطة بشرية، وتركيبة سكانية تثير الدهشة والخوف في آن واحد!! أما دواعي الدهشة فهي في تعداد الآسيويين، والذين هم في غالبيتهم من العمالة البسيطة، ذات الأجور المنخفضة جداً، حيث يصل عددهم ما يقارب الـ(400) ألف نسمة أي أكثر من نصف مواطني البلد والذين جاء تعدادهم (760) ألف نسمة!! فباستثناء الجالية الهندية والباكستانية والتي يؤدي أفرادها بعض المهن ذات المردود المالي المعقول والمتمشي مع ظروف البلد المعيشية!! فإن أغلب أفراد الجاليات الآسيوية هم من أصحاب المهن البسيطة في أداها وفي عائدها المادي، كأعمال النظافة، وخدمة المنازل!! وهي مهن لا شك بأنها لا تحتاج إلى كل تلك الأعداد الهائلة من العمالة، مما أدى إلى تكدس واضح في تلك الأعداد نراه في المستشفيات، وفي الطرق، وفي الجمعيات التعاونية، وغير ذلك من مرافق أخرى!!
ولا داعي لأن نتحدث عن مخاطر خلل سكاني كهذا على المجتمع والدولة بشكل عام!! فالآلاف المؤلفة من تلك العمالة ذات الدخل البسيط تعيش ظروفاً صعبة للغاية، تُحجب عنها رواتبها لعدة أشهر!! مما يدفعها إلى ارتكاب مخالفات أخلاقية أو قانونية!! وعلى الرغم من كل التحذيرات التي رفعها البعض من مغبة الاستهتار وتجاهل حقوق هؤلاء الضعفاء إلا أن ذلك وبكل أسف لم يؤد سوى إلى المزيد من الاستهانة والاستغلال لتلك الفئات!! حيث لا تزال (تجارة الأنفار) في هذا الوطن أو مقاولو الإقامات يجنون الثروات من وراء تجاوزاتهم المستمرة لقوانين الإقامة ومن خلال تكديسهم لتلك الكتل البشرية وتحت ظروف معيشية صعبة وشاقة!!
أزمة التركيبة السكانية، هي أزمة قوانين بالدرجة الأولى، فتجارة الأنفار رابحة، لأن القانون مخترق!! وأزمة “البدون” كالقنبلة الموقوتة التي يزداد حجمها ويتضاعف يوماً بعد يوم باقية، لأن المبادرة لحلها مفقودة!! والكل يقتات وينمو من وراء تلك الاختراقات للقانون، والانتهازات لبعض الأخطاء والسلبيات في تركيبة الوطن السكانية!!
لا نتصور أن مخاطر الإبقاء على ذلك (الموزاييك) السكاني الغريب، أمر خافٍ على صناع القرار في هذا الوطن، فالكل مدرك لمخاطر العمالة المكدسة!! ولخطورة استمرار كارثة وأزمة “البدون”!! والكل يعلم أن الحد من تلك المشاكل، والخروج من تبعاتها وإشكالاتها، ليست مستحيلة، ولا تتطلب معجزة!! وإنما هي بحاجة إلى مبادرة بقانون لا تحده مصالح وأغراض تدفع إلى استثناءات ومخارج يسخرها أصحاب النفوذ من الذين لا يزالون يتقاضون مئتي دينار على رسم الإقامة!!
قضية “البدون” كما غيرها من قضايا الخلل في التركيبة السكانية، هي قضايا باقية، ما بقي المستفيدون منها!! وعلى الذين يساورهم الشك في إمكانية الاستفادة من الإبقاء على (124) ألف نسمة بلا ملامح وبلا أشباه، عليهم أن ينطلقوا شمالاً لزيارة (مخيم) الصليبية أو مشروع الحكومة الرسمي بإقامة أرض لمواطنين بلا هوية!!
