الأرشيف

الستون عاماً.. والـ 2000 دينار

[جريدة القبس 25/7/2021]

تجاذبات كثيرة مرّ بها قرار الهيئة العامة للقوى العاملة، الذي يقضي بحظر إصدار أذونات عمل الوافدين ممن بلغوا الـ60 عاماً وما فوق لحملة شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها.. حيث تم تعديله فيما بعد ليتضمّن فرض رسوم ثابتة على من تجاوز الستين عاماً بمبلغ 2000 دينار عن السنة الواحدة، إضافة إلى إصدار وثيقة للتأمين الصحي.
القرار ومنذ الكشف عنه بقي متأرجحاً بين القبول والرفض.. إلى أن استقر أخيراً على دفع مبلغ الألفي دينار، بالإضافة إلى التأمين الصحي كشرط لاستمرار بقاء من ينطبق عليهم شرط السن والمؤهل التعليمي.
حقيقة لا يعلم أحد، بخلاف المسؤولين هنا، ماهية القنوات أو الأدوات أو حتى الدراسات، التي تستند إليها القرارات المُتعلّقة بالإقامة في الكويت، لكن الاستنتاج الذي توصّل إليه أغلبنا في قصة الستين عاماً.. ومُلحقها المتمثّل بالألفي دينار لا يُبشّر بالخير، بل ويؤكّد أن قرارات حكومية كثيرة تتم معالجتها بطريقة السلق وأحياناً على البخار فقط!
شدّني مقطع مصوّر لوافد من الجنسية الإيرانية، قضى ما يُقارب ثمانية وخمسين عاماً، عمل في أغلبها داخل أسواق الخضار في منطقة المباركية الشهيرة! هذا العامل تحاصره قرارات هيئة القوى العاملة من كل صوب.. فالشرط العمري المطلوب يعادل تقريباً سنوات عمله في الكويت.. أما شرط الألفي دينار.. فيُدرِك كل من يفقه أنه شرط لربما كلّفه كلّ دخله السنوي.
لا حاجة للإشارة هنا إلى أن شرط الستين عاماً، الذي استند إلى المؤهّل العلمي، لم يلتَفت إلى الخبرات أو المهارات المكتَسَبة والتي غالباً ما تفوق في أهميتها الدرجة العلمية، ولم يضع في الاعتبار أن كثيراً ممن بلغوا وتجاوزوا هذه السن هم أصحاب عمل ولديهم شركاتهم الخاصة وكياناتهم المالية، التي تُشكّل وبلا شك قيمة مضاعفة للاقتصاد الوطني.
للأسف أننا في الكويت – وربما في العالم العربي بشكل عام – نخلط بين إصدار القرار وعملية صُنع القرار.. وقد يكون ذلك عائداً إلى ثقافتنا السياسية والاجتماعية الأبوية، والتي غالباً ما تختزل الحق في القرار وتقصره على فئة أو جهة مُحدّدة ومحدودة في حجمها.. فعملية اتخاذ القرار هي في حقيقتها أقرب لردود الفعل على حدَث مُعيّن.. حيث يتم الأخذ هنا باختيار أمر قد يفرضه وجود بديل أو بديلين له.. بينما تأتي عملية صناعة القرار كعملية مستمرة ومُستدامة.. نتائجها تكون بفعل تراكم التجارب والدراسات والمتابعة.
في عالمنا العربي لا يوجد، وبكل أسف، مراكز رصد أو دراسات متخصصة ومسخّرة لصناعة القرارات.. ولا نملك أدوات مسح أو استفتاء مجتمعي لأي قرار تَتّخذه الحكومات، بخلاف ردود الفعل الشعبية المُتَمثّلة بالتظاهرات أو بالندوات، التي قد تُعقَد اعتراضاً على قرار أصدرته الحكومة.. والكويت ليست باستثناء هنا.. ففي قرار الستين عاماً.. والألفي دينار.. جاءت آلية اعتماده هنا كردّة فعل على تكدّس العمالة الهامشية، التي عرّتها إجراءات “كورونا”… فهبّت الحكومة كعادتها لمعالجة الوضع بقرارات لم تخضَع لمنطق صناعة القرار السليمة، بل ولا حتى لورشة القرار.
فحتماً لا توجد أُسس علمية ولا دراسات في جعبة الحكومة تُسانِد مثل هذا القرار أو تؤكّد احتمالية أن يشكّل من بلغ الستين عبئاً اقتصادياً على الدولة، خاصة في ظل الدراسات العلمية والبيولوجية التي أصبحت تؤكّد، وبناء على نتائج مخبرية ودراسات طبية وصحية موَثّقة، أن عمر الإنسان قد زاد مع دخول الألفية بما يقارب العشرين عاماً.. وهذا يعني أن الستين لم تَعُد سن شيخوخة كما كانت منذ قرن مضى.. لكن يبدو أن مصادر الحكومة ما تزال غير مُحَدّثة.
غالباً وعند صناعة أي قرار.. يتم الأخذ في الاعتبار ظروف المخاطر المُحتَمَلة جراء اتخاذه، وقرار الستين لا شك يحمل مخاطر اقتصادية على البلد.. ويحرم قطاعات كثيرة من الاستفادة من الخبرات التراكمية لبعض المهن، والتي يوفّرها عامل السن وحده.. أما قرار الألفي دينار.. فهو أعجوبة الحكومة هنا.. خاصة في ظل استمرار جني تجار الإقامات والبشر لآلاف الدنانير، وتحت سمع وبصر وأحياناً بإشراف الحكومة ومباركتها، ومن دون أن تكلّف الدولة نفسها إصدار قوانين أو قرارات تقمع جشع مثل هؤلاء.
هنالك من أهل الاقتصاد الأُمَناء من وفّر على الحكومة دوّامة الكر والفر في مسألة الوافدين، وعرَضَ حلولاً منطقية تخدم الدولة وليس فئة تجار البشر.. استشيروهم.. فهم أمناء في نُصحِهم وفي حِرصهم على الكويت.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى