الأرشيف

أنا “أنتمي”!

[جريدة القبس 23/3/2024]

قد يكون لكل دولة قانونها الخاص لشروط منح الجنسية، لكن هنالك قانوناً دولياً يقضي بأن حق الدول في أن تقرّر من هم رعاياها ليس مطلقاً، وأن عليها أن تمتَثِل بشكل خاص لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان في ما يتعلق بمنح الجنسية أو فقدانها، كما تنشط المنظمات الدولية بهذا الصدد، حيث عقدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بالاشتراك مع مفوضية شؤون اللاجئين في أكتوبر عام 2021، طاولة مستديرة افتراضية بشأن المساواة وعدم التمييز في مسائل الجنسية؛ لإنهاء حالات انعدام الجنسية، وهذه المفوضية تعتبر عضواً في “أنا أنتمي” وهو تحالف بشأن حق كل طفل في الحصول على جنسية.
هذا ما يتعلق بالشق النظري لأمور الجنسية واكتسابها وسحبها أو حجبها، لكن على أرض الواقع يتشابك الشق النظري مع أمور أخرى لا علاقة بها بالقوانين المكتوبة ولا بالإجراءات المعمول بها، ويحدث هذا بالتحديد في عالمنا العربي حيث مركزية السلطة الحكومية التي هي أكبر من القانون، تُحرّك كل شيء وتتحكّم في كل شيء، بدءاً بلقمة عيش المواطن ووصولاً إلى هويته وانتمائه، والكويت شأنها شأن سائر دول العالم العربي، تصطدم قوانين الجنسية فيها برغبات ورؤى لا علاقة مباشرة لها بالقانون المكتوب، حيث أثار بيان وزارة الداخلية الذي أعلنت فيه عن تخصيص خط ساخن للإبلاغ عن حالات تزوير الجنسية ردود فعل غاضبة عبّر عنها بعض النواب السابقين والمرشحين الذين أكدوا أن تخصيص الخط الساخن للإبلاغ عن الجرائم يتنافى مع الدستور ودولة القانون.
التزوير، أي تزوير، هو عملية مُشتَرَكَة لا يمكن أن تصدر عن طرف واحد، وسواء كانت شهادات مزوَّرة أو جنسيات مزوَّرة أو أبحاثاً مسروقة أو أي عملية نصب مشابهة، هنالك دائماً طرف مُرسِل وطرف مُستَقبِل، طرف يُمهّد ويُنظّم عملية التزوير، وطرف يَتَلَقّى أو يحصد العائد من ورائها، وبالطبع يكون كلا الطرفين مستفيد، إن مادياً أو معنوياً.
قرار سحب الجنسية الكويتية مِمَن ثبتت عليهم عملية التزوير هو قرار مُستَحَق من حيث إن التزوير جريمة في كل القوانين وليس القوانين في الكويت فقط، لكن أن تتم محاسبة طرف واحد في عملية التزوير هو بمنزلة الوقوف في منتصف الطريق، أو معالجة نصف المشكلة، وتفصيل العقوبة بشكل يَعفي المُتسبّب الأول والأخطر في جريمة التزوير. الكل يعلم حجم الاختراقات لقانون الجنسية والتي شهدتها الكويت في حقب سابقة ولأسباب وأهداف مختلفة، لكن ما شهدناه في العقدين السابقين فاق كل ما سبق، حيث أصبحت هنالك تسعيرة محدّدة لشراء الجنسية، وطرق مختلفة ومبتَكَرة للتزوير دخلت عليها أطراف من داخل ومن خارج الكويت.
إن أي محاولة إصلاح لمسار عمليات التجنيس في الكويت لا تشمل طرفي التزوير لن تؤدي إلى مخرج، شأنها في ذلك شأن أي محاولة إصلاح لأي مرفق أو نهج لا يتم فيها التعامل مع المشكلة من منبعها وجذورها وأسبابها، فالذين حصلوا على الجنسية بالتزوير لم يتعاملوا مع أشباح، وإنما مع أطراف تحتل مناصب بعضها قد يكون حساساً ومهماً، ومع جهات تملك القدرة والسلطة على توفير أدوات التزوير المطلوبة.
أخفقت الحكومة بلا شك في أولى محاولاتها للتعامل مع قضايا تزوير الجنسية، سواء من خلال توقيت عمليات السحب التي تزامَنَت مع الانتخابات، مما قد يُشكّل ضغطاً سياسياً غير مباشر، أو من خلال إعلانها عن الخط الساخن للإبلاغ عن مزوِّري ومزدوجي الجنسية والذي أثار الاستياء والشك لدى المواطنين في مقدرة الحكومة على التعامل مع قضايا حساسة سواء كانت في ملف الجنسية أو غيره، ولا نعفي هنا المواطن الذي أخفق هو الآخر في التمييز بين الجنسية، والتي تُعتَبَر علاقة قانونية بين الفرد والدولة، وبين المواطَنَة والتي تُعتَبَر شعوراً بالانتماء من دون أوراق ثبوتية، لذلك فإن كلا الطرفين، الحكومة والمواطن، بحاجة إلى إعادة تعريف للجنسية والهوية والمواطَنَة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى