الأرشيف

في الحجاب!

[جريدة القبس 28/10/2008]

الخطوة التي أقدمت عليها اللجنة التشريعية البرلمانية بإقرارها مخالفة الوزيرتين للضوابط الشرعية أثارت ردود فعل جارفة، ودفعت إلى التساؤل حول مسألة الحجاب بالتحديد، وعن علاقته بالدور المنوط بعمل الوزيرتين الفاضلتين وأدائهما.
بداية، نقول إن هنالك خلطاً في تحديد وجوبية الحجاب، حيث يصر المؤيدون على اعتباره فرضاً وركناً أساسياً، وهم بذلك يضعونه في منزلة أركان الإسلام الخمسة، المتفق عليها!
وتلك بحد ذاتها مسألة خطرة لأنهم بذلك يخرجون غير الملتزمة بالحجاب من الملة ومن الدين الإسلامي!
وهو أمر لا يملكونه لأن الله وحده العالم بما في الصدور.
استند هؤلاء في تقديرهم لوجوبية الحجاب إلى آيتين كريمتين، الأولى وردت في سورة النور: F ﵟوَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِـيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِـيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِيـنَ غَيۡـرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِيـنَ مِن زِينَتِهِنَّﵞ ﵝالنُّور : ﵑﵓﵜ F.
هنالك أكثر من تفسير ورد في كتب التفسير وعلى لسان الفقهاء، بعضها يتعلق بتحديد معنى الزينة، وما ظهر منها، وبعضها في تحديد هوية النساء في (نسائهن) وكذلك في ملك اليمين بالنسبة للمرأة، بالإضافة إلى ما يقال بأن أمر غض البصر جاء مشتركاً للمرأة وللرجل، حيث سبقت الآية الكريمة آية تقول: Fﵟقُل لِّلۡمُؤۡمِنِـينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيـرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ﵞ ﵝالنُّور : ﵐﵓﵜ F، وهو أمر جاء ليكرس العفة لدى الجنسين.
أما ما ورد من ضرب بالخمار فهو أمر مرتبط بعادة كانت النساء يزاولنها أيام الرسول c حيث كانت النساء يضعن الأخمرة على الرأس ويلقينها خلف الظهر، مما يبرز الصدر والعنق، فكان الأمر بوجوب ضرب الخمار على الجيب حتى لا ينكشف الصدر والعنق. إذاً السبب في نزول الآية هو تصحيح وضع خطأ كان قائماً في زمن الرسول c ونحن نعلم أن أسباب النزول تعتبر جزءاً يستند إليه في تفسير آيات القرآن الكريم.
أما الآية الثانية فقد وردت في سورة الأحزاب: F ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِـيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِيـنَ يُدۡنِيـنَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَﵞ ﵝالأَحۡزَاب : ﵙﵕﵜ F، وهي أيضاً آية مرتبطة بأسباب النزول التي تقول إن النساء الحرائر كنَّ يكشفن وجوههن تماماً كما تفعل الإماء والجواري، وأنهن كنَّ يتعرضن لأذى بعض الرجال الذين ظنوهنَّ جواري، فشكت بعض النساء الحرائر الأمر إلى رسول الله c فنزلت الآية لتميز بين الحرائر من النساء والجواري منهن، بالإضافة إلى الجدل الدائر حول وصف الجلباب بدقة وعما إذا كان أطول من الخمار أو أقرب للغطاء الساتر لكل البدن، بل إن بعض المفسرين يتوقفون عند فعل “يدنين” ويرون أنه غير محدد المسافة، وعما إذا كان الدنو إلى منتصف الرِجْل أو إلى أخمص القدم!
لم أكن أرغب إطلاقاً في أن أخوض في مسألة الحجاب وذلك لحساسيتها كما ذكرت في البداية، لكن عملية التسييس المؤسفة لجميع المظاهر الدينية، التي لم يسلم منها حتى مظهر المرأة، دفعتني دفعاً لذلك، فأنا هنا لست ضد الحجاب وإنما ضد إعطائه الأولوية بصورة أخلت كثيراً بأولويات الدين، خاصة بالنسبة للناشئة من شباب وشابات، الذين تحول الدين لديهم من تعاليم سامية وأخلاق حميدة وأوامر ونواة للدين وللدنيا تعود على المجتمع وأفراده بالمصلحة والهداية، ليصبح مجرد غطاء للرأس، بغض النظر عما يصحبه من مساحيق وألوان وأصباغ وملابس تفوق في خيلائها ملابس غير المحجبات!
إن الإسلام والعقيدة المحمدية نظام ديني جاء ليؤسس مجتمعاً صالحاً كافلاً للحريات لا كابتاً لها.
Fﵟبَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤ﵞ ﵝالقِيَامَة : ﵔﵑﵜ F ناشر للحق وللفضيلة من دون تعسف. F ﵟفَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡﵞ ﵝالكَهۡف : ﵙﵒﵜ F.
فهو ليس نظاماً سياسياً تستخدمه الأحزاب والتكتلات السياسية المتصارعة على حصص الدنيا الفانية! كما نشهد من زج للدين في معارك سياسية قصيرة المدى والرؤية مقابل دين شامل حوى الحقيقة بكافة أبعادها، فإن لم يحترم النواب وزيرتين فاضلتين فليحترموا على الأقل سمو الدين وتعاليمه!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى