
التعليم ثم التعليم ثم التعليم! لا مخرج من تراجعنا كمجتمعات نامية عن مسيرة الأمم المتقدمة إلا بإعادة بناء الجسم التعليمي في دولنا بشكل عام وبصورة حاسمة وجريئة.
الصور التي نشرتها جريدة “القبس” في عددها الصادر بتاريخ 22 سبتمبر تلخص لنا حجم أزمة التعليم في الكويت ومدى التحجيم الذي أصاب دور المؤسسات التربوية في تنشئة الفرد وبنائه ثقافياً وتربوياً وعلمياً وأدبياً.
صور “معلمات” رياض الأطفال اللاتي اعتصمن أمام مكتب وزير التربية احتجاجاً على طلب الوزارة تصميم رقصات لعمل أوبريت خاص بالمدرسة، تبعث الأسى والأسف في نفوس الجميع.
أما ما ضاعف من حجم هذا الأسف فهو في تأييد جمعية المعلمين لمطالب المعتصمات ورفضها لأي خطط تربوية لا تتوافق مع متطلبات وطبيعة الوضع التعليمي والاجتماعي والبيئي في الكويت.
في فترة الستينيات والسبعينيات كان التعليم في أوجه، حيث حظي جيل تلك الحقبة بتعليم شمل النواحي كافة، الثقافية منها والتربوية والفنية، وكانت مسارح المدارس آنذاك تزخر بكل فنون المسرح والأوبريتات وشتى أنواع الفنون الموسيقية والغنائية.
وكانت أعياد الكويت الوطنية تضيء وتتوهج بإبداعات طلبة مدارس الحكومة لجميع مراحلها بحيث كان أبناء المدارس وبناتها نجوم الاحتفال بالعيد الوطني، ومع ذلك فقد تميز طلاب تلك الحقبة بتعليم متميز يلمسه الجميع، خاصة عند مقارنة أولئك بأقرانهم من طلبة المدارس في الفترة الحالية.
ولم يحدث أن تعارض تصميم الرقصات والأوبريتات مع مهمة تأهيل الأطفال والطلبة للقراءة والكتابة.
إن الخلل الحقيقي الذي أصاب التعليم مؤخراً لا تعود أسبابه إلى الاهتمام بالناحية الجمالية والفنية من البناء والتنشئة الإجمالية للطالب وإنما هو في إهمال تلك الناحية، فالتعليم ليس عملية جامدة وإنما هو عملية متحركة ومتغيرة لتتلاءم مع كل ما يستجد في دنيا البشر، سواء كان علمياً أو ثقافياً أو فنياً وجمالياً.
الحق، الفضيلة، الجمال، ثالوث إغريقي الأصل، تشكل أضلاعه أساساً في بناء الفرد بصورة متكاملة، كما أن العقل البشري يحوي فصين، فصاً في يمين المخ مسؤولاً عن المنطق والحساب، وفصاً في شماله، مسؤولاً عن الإبداع والفن والجمال، وكلما تقارب الفصان واتحدا زاد أداء الفرد وإبداعاته في كل المجالات؛ علمية وتعليمية كانت أم فنية وجمالية، لقد تراجع اهتمام الدولة بالناحية الجمالية والفنية في مدارس الكويت في الأعوام العشرين الأخيرة بصورة انعكست وبشكل مباشر على تميز الطالب الكويتي، وارتدت معها العملية التعليمية رداء الرتابة والجفاف، وتحولت من عملية متحركة ومتجددة وشاملة لجميع أشكال الثقافة والعلم إلى مجرد برامج تلقين وتكرار خاوية.
إن المشكلة الحقيقية في التعليم، هي مع تلك العقلية التي تحتج وتعتصم على أوبريت خاص بمدرسة يشكل رافداً أساسياً لبناء الطالب بجانب القراءة والكتابة.
