الأرشيف

.. وانقلب المعلم.. باتجاه هرم التعليم المقلوب!

[جريدة القبس 30/11/1993]

في أحد الأيام الدراسية.. وبينما كان أحد الأقسام في جامعة الوطن، منهمكين في تقديم امتحانهم.. ظهرت بوادر جنون.. ولوثة على أحد المدرسين الموفدين للمساهمة في العملية التربوية والتعليمية مما دعا المسؤولين في الجامعة إلى استدعاء الأطباء المختصين في علاج مثل هذه الحالات.. بحيث أودع المدرس في القسم المخصص لعلاج حالات الجنون. لم يكن ما حدث لهذا المدرس انهياراً عصبياً نتيجة لظروف طارئة قد يكون المدرس رازحاً تحتها، وإنما كانت لوثة عقلية تؤكد أن الاستعداد لذلك هو أساساً موجود وليس طارئاً.. بمعنى آخر وصريح: أن ذلك المدرس هو مريض عقلياً!!
القضية هنا.. ليست في مرض المدرس العقلي.. ولا في تصرفه العريض أمام مسمع ومرأى الطلبة.. والعاملين في الجامعة.. وإنما تكمن القضية هنا في مسؤولية تعيين مثل ذلك المدرس؟!
من المعروف أن في كل قسم من أقسام الجامعة.. هنالك لجنة رسمية تمثل ذلك القسم، وتتألف من أعضائه العاملين، ويستشار في تأليفها عميد الكلية.. من مهام تلك اللجنة استقبال طلبات الوظائف واستعراضها.. لاختيار الأفضل.. ثم إجراء المقابلات الشخصية لمن وقع عليهم الاختبار.. وبالطبع فإنه وبحسب تلك الاجراءات فإن كل من يتم تعيينه من خارج الوطن للتدريس في الجامعة، لا بد وأن يمر عبر تلك القنوات.
بالطبع.. نحن لا نستطيع أن نعرف كيف تتم تلك المقابلات، ومن ثم التعيينات.. ولكن الذي نعرفه جيداً أن للمقابلة، والتي عادة ما تنسق التعيين في أي مجال كان لها أصولها وفنونها. فهي علم يدرس في جامعات كثيرة.. حيث يتلقى الطالب دروساً في كيفية إجراء اللقاء أو المقابلة.. وكذلك كيف ينجح في إقناع من يقابله بكفاءته.. والاستحواذ على إعجاب وتقدير المشرف على اللقاء.
اللقاء إذاً فن.. والاختيار فن.. وأمانة كذلك.. فاللجان المكلفة بإجراء اللقاءات.. والخروج في مهام تعيين خارج أسوار الوطن.. تحمل في عنقها – ولا شك – أمانة الاختيار الصحيح.. والمطابق لمتطلبات الوظيفة.. وذلك بالتأكيد مقابل عائد مالي يتقاضاه المكلف.. إضافة إلى كون مثل تلك المهمات من مهام الجهات المكلفة بالتعيين.
نحن ولا شك.. وطن صغير مساحة وعدداً.. فرضت ظروفنا الجغرافية والاقتصادية علينا استيراد غالبية قوة العمل التي تقود عمليات البناء.. والتعمير.. والتعليم.. والتطبيب وغيرها.. وعلى الرغم من أن المثال الذي ورد ذكره في بداية الحديث قد خرج من حرم جامعة الوطن.. إلا أن الخلل في عملية التعيين.. أو في أخلاقيات أمانة الاختيار عند إجراء المقابلة ومن ثم التعيين. هي بلا شك ليست قصراً على الجامعة. فالتذمر من رداءة.. وانخفاض مستوى الأداء في قوة العمل الوافدة.. أصبح أكثر ما يميز مرحلة ما بعد التحرير على وجه التحديد وقد كان التعليل الوحيد الذي يسوقه المسؤولون عن ذلك التراجع في مستوى العمالة الوافدة.. بكونه إحدى خطوات ترشيد الإنفاق فيما بعد التحرير.. ومن بعد تقلص عائدات الوطن المالية. وعلى الرغم مما قد يحمله ذلك التفسير من حقيقة بالنسبة لتراجع العوائد المالية.. إلا أن ترشيد الإنفاق في مجال التعليم والتطبيب هو في الحقيقة إهدار وتدمير للعنصر الأهم في الوطن.. وهو الفرد. فقد يكون ترشيد الإنفاق مقبولاً في إلغاء مبنى.. أو في مشروع ترصيف أو مد طريق.. وقد يكون ترشيد استهلاك الكهرباء والماء في هذه الظروف منطقياً وعقلانياً، وقد تكون عملية تأجيل شراء سلاح أو طائرات مسألة تفرضها ظروف المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن.. إلا أن ترشيد الإنفاق في ما يمس إعداد الفرد وبناء أساسه العقلي والجسماني.. هو بلا شك عائد مستقبلي سلبي للمجتمع بأكمله.
الخلل في عمليات التعيين لا يتعلق بأصول وأمانة الأداء وحسب.. وإنما هو كذلك في إغفال البعد الثقافي من عملية التعيين.. والذي يعتبر عنصراً هاماً لضمان التوافق الاجتماعي.. والعطاء الوظيفي من جانب الفرد الوافد.. خاصة وأن دولاً كثيرة تعمل بذات الأسلوب المعمول به في الوطن، من حيث استعانتها بقوة عمل من ثقافات أخرى لمجابهة متطلبات مجالاتها الوظيفية.. إلا أنها تحرص على مجابهة التعارض الثقافي والحضاري.. من خلال تنوير الوافد بما يستجد عليه من أمور لا يألفها.
الطريق أمامنا لا يزال طويلاً.. قبل أن نتمكن من سد حاجة سوق العمل من المواطنين أنفسهم. والحاجة إلى استيراد غالبية قوة العمل ستبقى قائمة.. فتلك أمور يحكمها عامل الزمن.. ولا نملك تقويمها أو تعديلها بين ليلة وضحاها.. إلا أننا ولا شك.. نملك تقويم أمور أخرى كثيرة.. أقلها مقدرة وكفاءة.. وأخيراً سلامة القادم للعمل في هذا الوطن.
فاليوم معلم.. وغداً طبيب.. قد تنهي عدم كفاءته حياة الفرد.. لا مستقبله وحسب. فإذا اعتبرنا أن حادثة مدرس الجامعة قد أتت منسجمة مع هرم التعليم المقلوب.. فمع من انقلب العاملون في المجالات الأخرى؟

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى