غير مصنف

القومية.. في منهج الثانوية

[جريدة القبس 19/1/1998]

أثَّرت العروبة في الإسلام أكثر من أي قومية أخرى أثَّرت بدين أو عقيدة، لأن العلاقة بين القومية والإسلام لها طبيعة خاصة، حيث العربية هي لغة الدين والتخاطب والصلاة بين المسلمين جميعاً..**
إن عملية إعداد ووضع المناهج الدراسية تعتبر شاقة ومرهقة، عن كونها عملية حساسة ودقيقة. ودائماً ما تتطلب عمليات إعداد المناهج متابعة حذرة ومستمرة للتنسيق بين ما يرد فيها من معلومات وبين ما يستجد من أحداث ومستجدات تفرضها الطبيعة الديناميكية للحياة وللنشاط البشري. ونحن بالتأكيد سواء كنا طلبة أم معلمين أم أولياء أمور، كثيراً ما نجد أنفسنا بحاجة لتجديد بعض المعلومات في مناهجنا التعليمية بالبحث والتنقيب في فهارس الإصدارات والكتب الجديدة.
وإذا كان التجديد، والمواكبة الزمنية للمعلومة مسألة مُهمة ودقيقة، فإن الموضوعية والتجرد يعتبران أمراً جوهرياً وشرطاً أساسياً يفرضه الطرح والهدف العلمي والتعليمي من وراء المناهج الدراسية بشكل عام!! وهو بالتأكيد ما تفتقده مناهجنا بصورة أدت إلى تدهور ملحوظ في العلمية التعليمية، وفي مخرجاتها السنوية، العاجزة عن التعبير عن قدراتها وآرائها الفردية والإبداعية.
في مقرر اللغة العربية للمرحلة الثانوية في مدارس المقررات ورد نص للقراءة والمناقشة يتحدث فيه الكاتب مشيداً بدور الإسلام كعقيدة، ومحمد c كنبي ومُرسل، في توحيد الإنسانية الممزقة، والقضاء على العنصرية والطبقية التي كانت سائدة في مجتمع ما قبل الإسلام!! إلى هنا وحديث الكاتب معقول ومنطقي!! غير أنه يدخل فيما بعد في حديث متداخل ومتشعب، يفتقد للتجانس والترادف، وهما عنصران لا شك رئيسيان في سلاسة النص وفهمه، مما أثر على فكرة الكاتب وهدفه.. بصورة جعلت من النص أشبه ما يكون بالأحجية واللغز!! فالكاتب يوجه نقداً لاذعاً للقومية باعتبارها عنصرية وطبقية، ويعلن رفضه قائلاً: “أنا أرفض هذه القومية التي تشربت العنصرية في عروقها بحيث غدا كل ما عداها من أبناء البشرية في نظرها لا يستحق من الحياة إلا أن يكون عبداً أو موالياً”، ثم يدخل الكاتب فيما بعد في جدل “القومية والإسلام”، وفي حديث قد يكون ملائماً لصفحة رأي في جريدة يومية، لا في مقرر دراسي، لطلبة وطالبات هم في طور التشكل والتكوين الفكري والعقلي!!
قد يكون للكاتب مطلق الحرية في أن يعبر عن رأيه حول ضرورة نبذ الفكر القومي بشكل عام، والدعوة إلى التمسك بالانتماء الإسلامي بدلاً عنه، فلا أحد ينكر على الإطلاق حق الكاتب في أن يروج لقومية يراها وكما يقول: “تخر راكعة أمام إسلامها”، غير أن الطرف الآخر في المقابل، يملك الحق نفسه في أن يرى أن القومية ليست عرقية، وكما تصور الكاتب، لأنها لا تعتبر الدم أساساً لهذه العلاقة، وهي أيضاً ليست عنصرية، لأنها تعتبر أن التقدم والرخاء حق بشري خالص، وهي ليست متعصبة، لأن الانتماء القومي إرادة وخيار حرّ، وليس فرضاً ولا قسراً.
الحديث عن القومية والإسلام، حديث طويل وجدلي، فبالإضافة إلى طبيعة العلاقة الخاصة بين الاثنين، تاريخياً وتراثاً وثقافة، كذلك فإن العربية هي لغة الدين فهي لغة التخاطب، والصلاة بين المسلمين جميعاً، وهي لغة التواصل والتفاهم بينهم.
لذا، فإن العروبة قد أثرت في الإسلام كدين وعقيدة أكثر مما أثرت أي قومية أخرى بدين أو بعقيدة من قبل، ولعلّ ذلك هو أساس الجدل حول العلاقة بين الاثنين، والذي امتد إلى شروط ومتطلبات الانتماء، خاصة ضمن إطار المجتمع العربي الإسلامي!!
لقد طغى مثل هذا الأسلوب الإملائي والإجباري، في فرض الرؤى والآراء، وفي محاصرة وعي وفكر النشء على مناهجنا، بصورة أصبحت تتطلب تدخلاً سريعاً وجاداً لإعادة الموضوعية والطرح المجرد للمنهج التعليمي في هذا الوطن، خاصة في ظل الغلو والتطرف في الرأي الذي قد تكون فرضته ظروف مرحلة ما بعد الغزو، وإن كان ذلك لا ينبغي أن يكون عذر واضعي المناهج التعليمية، الذين يفترض أن يكونوا على قدر كبير من العلم والثقافة، وأن يتحلوا بقدر أكبر من الموضوعية والتجرد!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى