الأرشيف

مناهج “”ماسخة”” بلا طعم ولا رائحة

[جريدة القبس 20/4/1998]

على الرغم من أن مسؤولية تدني الأداء والمستوى التعليمي في هذا الوطن، تعود إلى أسباب وعوامل عديدة إلا أن الندوة التي عقدت في مارس الماضي ضمن فعاليات أسبوع الخدمة الاجتماعية والنفسية الثالث، قد أشارت إلى أكثر عوامل الإخفاق التعليمي تأثيراً على مجال ومستوى التعليم بشكل عام!! فبحسب وجهة نظر وزير التربية الأسبق الدكتور أحمد الربعي فإن قضية التأخر الدراسي في مدارسنا ليست مشكلة مؤقتة بل هي مستديمة، وستبقى كذلك ما لم يتم تطوير المناهج وتحديثها!!
لا شك أن العملية التعليمية تقوم على ثلاثة أسس تشمل الطالب والمعلم والمنهج!!
وإذا كان الجانب (الطالب) من هذه المعادلة يعاني من تدهور في الأداء، والمستوى!! فإن ذلك يعود ولأسباب مباشرة إلى ثنائية المعلم والمنهج!! وكلاهما يعاني ما يعاني من إخفاق وتدهور وفشل مما أدى إلى عجز عن النهوض بالعملية التعليمية بشكل عام!! ففي تعليق لأحد نظار المدارس الابتدائية حول أسباب المخرجات التعليمية السيئة للغاية، يقول ذلك الناظر، أن مشكلة التأخر الدراسي للطلبة يعود إلى وجود عدد كبير من المدرسين في وزارة التربية غير أكفاء وغير قادرين على إيصال المعلومة وبحيث أصبح الجهاز التعليمي يحوي “المتردية والنطيحة” من المعلمين العاجزين عن الأداء والعطاء!!
وإذا كانت ظاهرة تراجع أداء ودور المعلم ظاهرة تبعث على القلق!! فإن جمود وتأخر المناهج الدراسية، يعتبر أمراً لا يقل خطورة عن مشكلة المعلم!! وإن كانت معالجة قضية المناهج أسهل وأقل تعقيداً من معالجة قضية المعلم!!
لقد أصبحت الحاجة إلى تطوير وتغيير المنهج الدراسي مسألة هامة في كل المؤسسات التعليمية في العالم!! لأسباب تتعلق مباشرة بخطوات التجديد والتغيير المتسارعة في مجالات كل العلوم، والتي أصبحت أسرع من أن تواكبها مناهج التعليم بشكل عام!! حتى أن دولاً كثيرة أصبحت تُقر بحاجتها إلى إعادة نظر في مناهجها التعليمية وبشكل دوري كل سنتين على أكثر تقدير!!
غير أن المؤسف أننا هنا، وبالذات في ما يتعلق بمناهجنا التعليمية نصر على أن نتجاهل تيار العلم والتكنولوجيا الجارف، ونظريات المعرفة الحديثة، وسيكولوجيا الأجيال الجديدة، بصورة جعلت الهوة تزداد يوماً بعد يوم بين ما يتلقاه الطالب من علوم ومبادئ ضمن إطار منهجه التعليمي، وبين ما بحوزته من سُبل ونوافذ للاطلاع والمعرفة سواء كان ذلك عن طريق برامج الكمبيوتر التي لا تخلو من جوانب تربوية تعليمية، أو كان من خلال برامج المحطات التلفزيونية المختلفة!
وذلك أمر لا شك أننا كأولياء أمور أو كتربويين، أصبحنا نعيه، وندركه بصورة طالما أحرجتنا أمام أبنائنا أو طلبتنا!! خاصة حينما نصر، انطلاقاً من قيود المناهج، في تكرار أو في التركيز على جانب أو معلومة، أصبحت بالنسبة للطالب في حكم البديهة!!
إن التحدي هو أهم جوانب المعرفة، والمعرفة التي لا تطرح تحدياً هي بلا شك معرفة معلبة وجاهزة ماسخة الطعم والنكهة!! وهو أساس المشكلة التي تعاني منها مناهجنا في هذا الوطن!! فهي لم تعد تحوي طعماً ولا نكهة!! بل أصبحت حشواً يبعث على الملل والضيق، ويؤدي بالطالب إلى الفشل في الأداء، والتحصيل، والذي نعاني منه ونتذمر من تبعاته!!
مخرجات التعليم مؤسفة ومتدهورة، ما في ذلك من شك، لكن السبب لا يعود إلى الطالب، وإنما للمنهج ولواضعي المنهج بالدرجة الأولى!! أو لكي نكون أكثر إنصافاً، فإننا جميعاً وكجيل مشرف على تنشئة الجيل الحالي مسؤولون عن ذلك القصور في منافذ المعرفة بشكل عام بما فيها المناهج التربوية والتعليمية!!
فنحن لا نريد أن نُقر ونعمل وفقاً لتلك الطفرة النوعية التي أصبحت تميز عقول الجيل الحالي عن عقولنا!! فبينما تحاول دول أخرى أن تتجاوز وإلى حد معقول ذلك التباين (الجيلي) بأن تنتهج مرونة أكثر في وضع مناهجها التعليمية بشكل خاص!! لا نزال نحن نمضغ وبهدوء مقيت وقاتل مناهجنا الماسخة التي لا تحوي طعماً ولا لوناً ولا رائحة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى