غير مصنف

حينما تصبح الحرية خطراً!

[جريدة الطليعة 23/6/2010]

اعتصام الأندلس الذي جرى منذ أسبوعين تضامناً مع الحرية ودفاعاً عنها، طرح أكثر من نموذج للحرية، وتحدث المشاركون فيه عن الحرية، كل بحسب تعريفه الخاص.
بعض المتحدثين في الاعتصام خلطوا بين الحريات واحترام قوانين البلد. أحدهم قال إن محاربة الحريات كانت من خلال محاربة الفرعيات! وإن تحركاً قوياً لأمن ضد الفرعيات يحمل تهميشاً للشعب الكويتي! مثل هذا القول يؤكد أن صاحبنا هنا لا يفرق بين الحرية والفوضى، ولا بين دولة القانون والمجتمع البدائي.
هنالك قانون يحظر إقامة الفرعيات، وهو قانون صريح وواضح لا لبس فيه، وبذلك، فإن المتحدث هنا، وبالمناسبة هو نائب في مجلس الأمة، يروّج لاختراق النظم والقوانين، ويشيع، متعمداً، روح الفوضى، ويعطي لنفسه وللمشاركين في الفرعيات حقاً لا مرجعية قانونية ولا أخلاقية له، ولا شأن له بالحريات، بل على العكس تماماً، فنظام الفرعيات يحجب حرية الآخرين في الاختيار، لأن أساس الفرعيات يقوم على إجماع القبيلة أو الطائفة على مرشح ما، والتزام الجميع بانتخابه، بغض النظر عن الفروقات في رؤاهم.
تحدث نائبان حاليان عن حرية الرأي بإسهاب، على الرغم من كونهما من أشد المحاربين لحرية رأي الآخرين! فالإعلام الفاسد، بحسب قول النائبين، هو المسؤول عما تتعرض له الحرية اليوم! وهو أمر تنقصه الحصافة والموضوعية، فالإعلام الفاسد، في رأيهما، هو إعلام هادف في رأي الآخرين، وحرية الرأي، كتابة أو في التلفزيون، مكفولة دستورياً لهذين النائبين تماماً كما هي مكفولة لأصحاب الإعلام الفاسد ومؤيديه، على حد قولهما!
مسكينة هذه الحرية، وصدق القول المأثور “أيتها الحرية، كم من الجرائم ترتكب باسمك”!
اعتصامات وندوات كهذه تؤكد مدى هشاشة مفهوم الحرية لدى البعض، حتى أصبح لكل فئة مفهومها الخاص المتوافق مع فكرها وتوجهاتها! فلقد بات من الحرية لتيار الإسلام السياسي أن يلاحق المخالفين له فكرياً، وأن يحظر آراءهم، ويفرض عليهم قناعات يريدها، ولباساً يفصّله هو، بل وحتى أسلوب حياة، من دون أدنى اعتبار لحرية الناس في اختيار النهج والعقيدة اللذين يرونهما أصلح لهم!
بل لقد أصبح من الحرية أن يحظر النائب الفلاني مسلسلاً تلفزيونياً، وأن يمنع آخر كتاباً من دخول البلاد، وأن يحجر نائب على فضائية ما أو صحيفة لمجرد أنها أهانته شخصياً أو انتقدته!
مشكلتنا هنا هي أنهم لا يريدون أن يدركوا أن الحرية لا تُجزأ، وأن الجميع سواسية في نظر الحرية! مشكلتنا هي اعتقاد البعض أن الحرية تكون هدفاً حين يمارسها هو، لكنها تنقلب خطراً حين يمارسها الآخرون!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى