الأرشيف

كلكم أثمار شجرة واحدة

[جريدة القبس 21/11/2017]

بدعوة كريمة من أصدقاء، حضرت ليلة كويتية جميلة احتفل فيها البهائيون في جميع أنحاء العالم بمرور مئتي عام على مولد حضرة “بهاء الله”.
فمنذ أن خلق الله الأرض ومنذ أن سكنها سيدنا آدم وزوجه، تشكلت ثقافات وتكونت مجاميع بشرية، كان لكل مجموعة ثقافتها وسماتها البارزة، ولم يكن مثل هذا الاختلاف الثقافي والتنوع البشري مصدراً للعنف ولا للصراع، بل للتقارب والتآلف والمحبة، أو هكذا يجب أن يكون حال البشرية، لولا لعنة المصالح وتداخل السياسي بالثقافي، وانحسار روح المودة والمحبة في ظل مادية شرسة حولت البشر إلى سلعة، وأجهضت أبسط مكونات الروح والنقاء الإنساني الفطري.
وفقاً للإعلان العالمي للتنوع الثقافي، الذي ينص على “أنه يشكل قوة محركة للتنمية، ليس على مستوى النمو الاقتصادي فحسب، بل أيضاً كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية ومعنوية وروحية أكثر اكتمالاً، من هنا يعتبر التنوع الثقافي ميزة ضرورية للحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة”.
نعود إلى حديثي في البداية حول حفل البهائيين في الكويت بذكرى ميلاد حضرة “بهاء الله”، وهو الحفل الذي يصب مباشرة في حديثي حول نعمة التنوع الثقافي في المجتمع، وهي النعمة التي طالما تميزت بها الكويت، دولة ومواطنين، فأينعت تسامحاً وتقبلاً للآخر وتزاوجاً روحانياً تجلى دائماً في اللحمة الكويتية المميزة.
لقد ارتبط مصير البهائيين في الكويت بمصير هذه الأرض منذ عام 1914، حين قدم إليها أحد البهائيين من مصر وعمل مدرساً في إحدى المدارس النظامية، ثم ازداد عدد البهائيين الذين اختاروا الاستقرار في الكويت، وساهموا في الهندسة والتعليم والتجارة. وكان هدفهم ولا يزال بناء حضارة مزدهرة مادياً وروحانياً، وشعارهم دائماً أنه “لا يمكن إصلاح العالم إلا بالأعمال الطيبة الطاهرة والأخلاق الراضية المرضية”.
نحن قطعاً بحاجة ماسة اليوم إلى مثل هذه الروح المتسامية والمتسامحة، خاصة ونحن نواجه انحرافاً رهيباً في الأسس الروحانية باتجاه مزيد من العنف والتطرف لم ينادِ به قط رسول ولا نبي، ولا نص عليه كتاب ولا شريعة، مما يعني حاجتناً الماسة إلى إحياء الشق الروحاني من الدين، الذي غيّبته سنوات طويلة من الممارسات الخاطئة، التي غلب عليها العنصر السياسي والمادي على حساب القيم الدينية والروحانية السامية.
نحن بحاجة إلى استدعاء ما يرمز للسلام وللمحبة وللتسامح، فالبهائيون، على سبيل المثال، هنا يؤمنون باستمرارية الهداية الإلهية، وبأن كل الأديان السابقة سماوية في أصلها، متحدة في أهدافها، متكاملة في وظائفها، متصلة في مقاصدها، وقد جاءت جميعها بالهدى لبني الإنسان، أو كما قال حضرة بهاء الله: “كلكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى