
الحراك، أو “ثورة أصحاب السترات الصفراء”، الذي شهدته عدة مدن فرنسية يقودنا إلى استنتاجين: الأول، أن العالم فعلاً أصبح قرية صغيرة تتحرك الأحداث فيها وتنتقل بديناميكية عصرية خاطفة في سرعتها وانتقالها وتأثيرها، فالسترات الصفراء انتقلت وبسرعة البرق من شوارع باريس إلى حواري البصرة، الحراك في كلا المشهدين يكاد يكون متطابقاً في مطالبه وهيئته ومظهره.
أما الاستنتاج الثاني، فهو أن اختلال ميزان العدالة الاجتماعية هو المحرك الأول لأي ثورة أو تمرد أو تظاهرة أو حراك.
إرث الثورة الفرنسية أصبح تستنهضه القوى الشبابية عبر خريطة العالم. فالشعارات المطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وهي المطالب التي هيمنت على الشوارع والحارات والميادين ودور العبادة إبان حراك الربيع العربي، تعود اليوم في شتاء أوروبي قد يكون قارصاً، بدءاً من عاصمة النور باريس، وامتداداً إلى أكثر من عاصمة أوروبية.
اليوم، وفي ظل عالم تحكمه شركات شرسة وشرهة اقتصادياً ومالياً وفكرياً، تتوارى العدالة الاجتماعية، وتصبح المطالبة بها تمرداً وفوضى وخطراً على لحمة المجتمع واستقراره. وهو بالتحديد ما حدث مع ثورات الربيع العربي، وحراكها الذي طالب بالإصلاح ودحر قوى الفساد وإرساء مبدأ العدالة الاجتماعية، حين تم الالتفاف على تلك الثورات وتجزئتها ودفنها من قبل القوى المضادة التي أصبح بعضها يرفع زوراً شعار العدالة الاجتماعية ويتصرف بمنطق ومفهوم مناقضين لها تماماً.
اليوم أصبح احتواء أو قمع أي حراك أو ثورة مسألة ليست سهلة على الإطلاق، فكما بدأت ثورات الربيع العربي من منصات كالفيسبوك وغيره، فقد انطلقت حركة السترات الصفراء على وسائل التواصل الاجتماعي كرد فعل على ارتفاع أسعار الوقود، وليرتفع في ما بعد سقف مطالب المحتجين الذين أصبحوا يتحدثون عن غياب المساواة الاجتماعية وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتدني القدرة الشرائية وزيادة الضرائب! ثم ليرتفع السقف أكثر مطالباً بإسقاط الحكومة! أصحاب السترات الصفراء هم مجاميع غير متجانسة من المتظاهرين بأعمار مختلفة ومناطق جغرافية متباينة، بينهم الطلبة والعاطلون والمتقاعدون، منهم يمين متطرف، ويسار متطرف، لا قيادة محددة تجمعهم تحت ظلها، ولا منصة إعلامية معينة تنطلق منها مطالبهم واحتجاجاتهم، يجمعهم فقط غياب العدالة الاجتماعية وتزايد حدة الفروقات بين من يملك كل شيء، ومن لا يملك أي شيء! في تفاوت طبقي مخيف أصبح يسود العالم اليوم، مخلفاً شعوباً تئن تحت وطأة الجوع والجهل والخوف، وأخرى – غالباً هي الأقلية – تعاني من التخمة في كل شيء!
في السابق كان الحديث عن العدالة الاجتماعية حديثاً “شيوعياً” تجرّمه وتحرّمه أغلبية دول العالم، أما اليوم وبعد أن أصبحت روسيا أكثر رأسمالية من أمريكا نفسها، ندرك أن مطلب “العدالة الاجتماعية” مطلب فطري في النفس البشرية، إن غاب تشتعل الحروب والثورات والاحتجاجات!
