الأرشيف

فن الاختلاف مع الإخوان

[جريدة القبس 5/10/2024]

كما للحوار فنّه الخاص، كذلك للاختلاف فنّه الحصري، بل لعله ــ أي الاختلاف ــ هو السمة السائدة في العلاقات البشرية الثرية والمثمرة، لذلك تأتي إجادة فن الاختلاف لتشكّل معياراً مهماً من معايير النضج لدى أي شخص أو أمة.
للأسف تغيب في أغلب الأحيان ثقافة وفن الاختلاف في عالمنا العربي، فنحن دائماً ما نخفق في إدارة أبسط حوار أو نقاش، نتعامل مع أي موقف نتّخذه بشكل شخصاني بحت وبعيد عن الموضوعية والتجرّد في الطرح، وبشكل يمنع أي طرف من الخروج بسلام أو بفائدة من أي دائرة حوار أو نقاش.
لقد لخّص فولتير قمة الحكمة في الاختلاف بين البشر، حين قال مقولته الشهيرة: “قد اختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في التعبير”. قالها فولتير ليقينه بأن اختلاف الآراء والأذواق والرؤى متعدد كاختلاف ألوان الفراشات، وأن اصطدامها بعضها ببعض وتقاطعها أمر حتمي يفرضه التداخل البشري الاجتماعي والسياسي والنفعي وغيره.
شخصياً أختلف تماماً مع جماعة الإخوان المسلمين، وأرى أنهم قد ارتكبوا أخطاء سياسية فادحة عبر تاريخهم، وأنهم قد انتهجوا العنف في أحيان كثيرة، وأحمّلهم مسؤولية تردي العديد من مرافق الدولة، سواء في الكويت أو في غيرها من الدول العربية، لكني أحمّل الحكومة، بتحالفها التاريخيّ مع الإخوان، مسؤولية أكبر، وذلك حين لجأت إلى إغلاق المنابر المخالفة للإخوان بدعوى تهدئة الساحة والسيطرة على الاختلاف، في مقابل تجيير القوانين والدستور أحياناً لخدمة مشروع الإخوان السياسي.
أنتمي إلى تيار وفكر مخالف تماماً لتيار الإخوان وفكرهم، ومع ذلك لا أتفق على الإطلاق مع مطالبات البعض بقمع صوتهم، أو تعليق أنشطتهم، أو إغلاق منابرهم، فهم يبقون جزءاً من جغرافيا البيئة السياسية، ويجب التعامل معهم وفقاً لمسطرة القانون، التي تقع على الجميع، وليس وفقاً لرغبات المختلفين معهم، وحده القانون هو المخوّل والقادر على حسم الخلافات والنزاعات داخل أي مجتمع، وبشكل يحمي جبهته ويؤمّن استقراره وأمنه، وإذا حدث أن أخلّت أي فئة أو جهة بمقومات أمن أو استقرار المجتمع، فليكن القانون والدستور حينها هما الصوت الأعلى، وهما الفيصل الذي يجب أن تلجأ إليه كل الأطراف.
الاختلاف، وخاصة السياسي والفكري منه، هو في الحقيقة محفّز للحركة والنمو والتغيير، بعكس التوافق الشكلي، الذي تتراكم تحته خلافات مقموعة أو مكبوتة، قد تفجّرها أدنى هزة، وهذا بالتحديد ما يحدث في العالم العربي، فمشاكلنا وجدلنا المتواصلان، ليسا بسبب تنوّع التيارات السياسية والفكرية بيننا وفي مجتمعنا، بل بسبب عجزنا وفشلنا في إدارة مثل هذا التنوّع، فالتيارات السياسية المختلفة في الدول الغربية لم تخلق حالة الفوضى، التي تشهدها المجتمعات العربية، عندهم تختلف الأصوات والآراء تحت مظلة القانون السائد على الجميع، بينما في الحالة العربية يؤدي اختلاف الأصوات إلى محاولة كل طرف قمع حق الآخر، وعزله ونفيه خارج دائرة الحوار، بحيث يكون الهدف الأول هو إفشال الآخرين وتضخيم أخطائهم، حتى وإن كان ذلك دون معايير تقييمية موضوعية.
لا توجد مرحلة تستدعي الالتفاف حول القضايا المصيرية العربية، مثل هذه المرحلة الراهنة، فالعدو الصهيوني مستمر في همجيته وعنفه وجرائمه، هو لا يرانا مختلفين، وسواء كنا إخواناً أو ليبراليين أو قوميين أو تقدميين، فإننا نبقى بالنسبة لتقييم وتصنيف الصهيوني مجرد مجرمين ونستحق السحق والقتل. المشكلة أننا نحن من يعزّز الانقسامات الفكرية والسياسية في ما بيننا، حتى في هذه المرحلة الحرجة، فنجد من يتردّد في دعم المقاومة الباسلة داخل غزة بحجة أن “حماس” تمثّل الإخوان، أو أن البعض يمارس الحذر في شجب العدوان الصهيوني على جنوب لبنان العربي بذريعة انتماء “حزب الله” لإيران.
نحن اليوم كعرب، أمام فرصة ذهبية لإحداث نقلة نوعية في البيئة السياسية العربية لوقف التراشق الكلامي، والبدء بإرساء أسس سليمة للتنافس البرامجي القائم على احترام واستيعاب كل الأصوات والآراء والمذاهب السياسية والفكرية على اختلافها، وتحت مظلة القانون وحده.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى