الأرشيف

من سرق بطولة ناصر؟

[جريدة القبس 20/2/1995]

ناصر، شاب بالكاد بدأ أولى خطواته نحو صخب المجتمع؛ بقضاياه ومشاكله ومسؤولياته!!
شاء له القدر أن يصطدم هو ومجموعة من زملاء في سنه، بالمسؤولية المجتمعية اصطداماً مباشراً!! ففي أحد أيام رمضان، وبينما كان ناصر ورفاقه في منطقة الشاليهات، وإذا بهم في مجابهة إحدى جماعات التهريب!! فما كان منهم، وقد أشعلهم الحماس، إلا أن أسرعوا إلى الشرطة.. لإبلاغهم!! حيث تم القبض على المهربين!!
لم يكن غرض ناصر ورفاقه من وراء ذلك سوى أداء واجب وطني، تحتمه عليهم وطنيتهم!! لم يكن طموحهم في كسب مالي أو مكافأة أو منصب!! غير أن الخبر الذي قرأه ناصر ورفاقه في صحف اليوم التالي عن جهود رجال الشرطة.. وعن محاولاتهم للايقاع بالمهربين والتي انتهت بإلقاء القبض عليهم!! قد دفع بناصر ورفاقه إلى الدهشة والتساؤل عن مدى حاجة المجتمع لمساهماتهم!! وعن حقيقة المناشدة المستمرة من قبل المجتمع بمؤسساته للشباب، بالإسهام في بناء وحفظ المجتمع والدولة!!
الحادث الذي واجهه ناصر ورفاقه ليس حادثاً فريداً.. فلقد سبق للجهاز الأمني في هذا الوطن أن نسب إلى أفراده بطولات وإنجازات لأفراد مدنيين!! ولعلَّ أشهر تلك (السرقات) التي حُذف منها الدور الذي أداه المواطن، وكان في اكتشاف أول خيوط الشبكة التخريبية التي كانت تخطط لإثارة الذعر في الوطن.. والتي كانت ترمي كذلك إلى اغتيال الرئيس الأمريكي السابق (بوش) فلقد سمعنا جميعاً عن المواطنين الذين ساهموا في الكشف عن تلك الشبكة على الرغم من استفراد الجهاز الأمني بالبطولة المطلقة في تلك الحادثة!! هذا، بالإضافة إلى حوادث أخرى كثيرة لا مجال هنا لذكرها!!
الخطير في الأمر، في حالة ناصر ورفاقه، أنها تحدث مع شباب نشأوا وتربوا على احترام كل القيم التي يرمز المجتمع إليها بمؤسساته، ويقف العاملون في مؤسساته القائمة قدوة ومثالاً طالما سعى هؤلاء الشباب للاقتداء بهم!! والمؤسف هنا، أن المؤسسة التي اختلست بطولة هؤلاء الشباب هي المخولة بمعاقبة المختلسين.. والسارقين!!
لقد انتشرت الجريمة في هذا الوطن حتى سيطرت أحاديث القتل والسرقات على حوارات المواطنين اليومية!! وارتفعت نسبة الأحداث في تلك الجرائم بصورة تدعو للقلق!! وهو ارتفاع فسره البعض بأنه انعكاس لتزايد متطلبات الحياة اليومية للشباب والأحداث!! وللضغوط النفسية التي تسببها الحاجة الملحة لتوفير مستلزمات الترفيه والتي أصبحت اليوم شبه أساسية في مجتمع الشباب، كالتلفون.. والبيجر.. والسيارة!! بينما يرى البعض الآخر أن ارتفاع جرائم الشباب أساسه انعدام القدوة والمثل في مجتمع الكبار!! خاصة بعد أن أصبح السارق رمزاً للذكاء وحسن التصرف!! والأمين.. صورة للاستسلام وضياع الحيلة!!
لا شك أن ناصر ورفاقه قد صدموا بانتهاك الكبار للقوانين التي صاغوها ووضعوها بأنفسهم لتنسيق وتنظيم الحياة في ما بينهم!! وقد يؤدي بهم ذلك إلى فقدان الثقة بالمجتمع وقوانينه وتلك هي أولى الخطوات نحو الانحراف..والخروج ليس عن قوانين المجتمع فحسب.. بل عن الأخلاق بوجه عام!!
جهاز الأمن الذي سرق بطولة ناصر ورفاقه، كان بإمكانه استغلالها لإثارة حماس صغار الشباب وذلك من خلال إبرازها كعملية بطولية يشكر عليها هؤلاء الصغار ويثني عليهم!! وتدفع بذلك غيرهم من الشباب إلى مزيد من الإحساس بالمسؤولية تجاه أمن الوطن وأمانه!!
المشكلة التي يعاني منها الشباب، والتي غالباً ما أثرناها في نقاشنا وجدلنا، أنهم يعيشون على هامش المجتمع، فلا هم قادرون على التغلغل والدخول في قضايا وشؤون المجتمع.. ولا المجتمع بأفراده قادر على جذبهم والتعامل معهم!! وسيبقى ذلك الواقع قائماً إلى أن يعيدوا إلى ناصر.. بطولته التي سرقوها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى