الأرشيف

زيارة الأمير تشارلز وهموم الكويت

[جريدة القبس 9/11/1993]

تستقبل الكويت اليوم ولي العهد البريطاني، الأمير تشارلز الذي يزورها في إطار جولة خليجية تشمل أيضاً كلا من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.. وتعكس مثل هذه الزيارات التي يقوم بها أعضاء في العائلة البريطانية المالكة لبلدان بعينها الأهمية الكبرى التي تعلقها الحكومة البريطانية على علاقاتها الثنائية بهذه البلدان.. فعلى الرغم من أن سلطة العرش البريطاني في نظام البلاد السياسي العريق هي مجرد سلطة رمزية لا تنطوي على أية صلاحيات تنفيذية، إلا أن النشاطات البروتوكولية لأفراد العرش في الخارج تمثل واحدة من أهم أدوات السياسة الخارجية للحكومة البريطانية في مجال التأكيد للدولة أو الدول المعنية بها، على سمو المكانة التي تحتلها بالنسبة لبريطانيا، وعلى عمق الرغبة في المزيد من التمتين للأواصر الثنائية والتدعيم للتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري معها.. وفي هذا الإطار يمكن فهم مضمون ومغزى تلك الزيارة التي سيقوم بها ولي العهد البريطاني للكويت.
ومن جانب آخر فلعله مما يلفت النظر أن هذه الزيارة المرتقبة للأمير “تشارلز” لمنطقة الخليج أو للكويت بصفة خاصة تجيء بعد فترة وجيزة من قيامه أي “تشارلز” بإلقاء محاضرة في مركز الدراسات الإسلامية التابع لجامعة “أوكسفورد”، تناول إطارها العام دفاعاً مجيداً عن الإسلام في وجه المفاهيم الخاطئة السائدة عنه في الغرب، واختص أحد جوانبها بتعرية ممارسات النظام العراقي الوحشية ضد مواطنيه في الجنوب، وبمطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لوضع حد لتجاوزات هذا النظام.. وقد أثار هذا الأمر دهشة الأوساط السياسية والدبلوماسية والإعلامية في بريطانيا، من زاوية أنه يمثل خروجاً عن المألوف وعن التقاليد المرعية التي تحظر على العائلة المالكة الخوض في الشؤون السياسية مهما صغر شأنها، دعك من توجيه الانتقاد والهجوم لرئيس دولة أخرى ونظام حكمها.. وبما أنه قد اتضح بعد ذلك، أن هذا الجانب المختص بالعراق ونظام حكمه في محاضرة الأمير “تشارلز” قد تم إعداده بالتنسيق مع وزارة الخارجية البريطانية، فإن المرء لا يحتاج إلى كبير عناء كي يستنتج بأن الحكومة البريطانية قد أصبحت لا ترى غضاضة في أن تستخدم القناة الملكية، بشكل مباشر لدفع قضية تهمها في ساحة السياسة الخارجية، وتسليط الأضواء عليها.. بل ولا تستبعد بعض المصادر في العاصمة البريطانية أن تتطرق محادثات ولي العهد البريطاني في جولته الخليجية المرتقبة إلى الكيفية التي يمكن بها لدول المنطقة أن تسهم من الناحية الإنسانية، في تخفيف معاناة عرب الأهوار والسكان الشيعة في الجنوب العراقي..
إن هذه الخلفية التي تحف بزيارة الأمير “تشارلز” المرتقبة للكويت تتيح فرصة طيبة لاستغلالها، أي الزيارة، بشكل يتجاوز المظاهر البروتوكولية المعهودة، ليمس جوهر القضايا والهموم التي تشغل بال الكويت، والتي تتطلب معالجتها تفهماً وتعاضداً دولياً أكبر.. هناك قضية استمرار النظام العراقي في التمسك بادعاءاته فيما يختص بالكويت، وفي رفض الاعتراف بالترسيم الدولي للحدود، وهناك قضية التهديد الأمني المستمر المتمثل في تحرشات لا تنقطع عبر الحدود، وفي إرسال وتجنيد العملاء للقيام بأعمال إرهاب وتخريب، وفوق هذه وتلك يبقى الهاجس الأكبر الذي يؤرق بال الأمة بأسرها، ألا وهو استمرار النظام العراقي في الاحتفاظ بمواطنين كويتيين أبرياء، ما زال ينكر حتى مجرد وجودهم، في وقت تبدو فيه بوادر استعداد لدى المجتمع الدولي لإعادة النظر في أمر الحصار الاقتصادي المفروض عليه.. وإن كان ولي العهد البريطاني قد أخذ على عاتقه مهمة الدعوة لانقاذ سكان الجنوب العراقي من ربقة القبضة الوحشية لنظام بغداد، فإن في مقدوره أن يستوعب محنة أبناء الكويت من الأسرى والمرتهنين في سجون العراق، وأن يتولى لواء المطالبة بالضغط من أجل تأمين الإفراج عنهم..
ومن ناحية أخرى فهنالك جانب هام من جوانب زيارة ولي العهد البريطاني المرتقبة لا ينبغي إغفاله، ألا وهو الجانب الإعلامي.. فمن المعروف أن زيارة بمثل هذا الحجم تنال تغطية واسعة في وسائل الإعلام البريطانية ورصيفاتها الغربية، وهذا بدوره يتيح نافذة جيدة لإعادة تسليط الأضواء على الهموم الكويتية وفي مقدمتها مسألة الأسرى والمرتهنين، ولتحقيق القدر الأكبر من الفائدة في هذا المجال، فإنه من المستحسن أن يقترن الجهد الرسمي بآخر شعبي، يمكن أن يتخذ على سبيل المثال أسلوب رفع اللافتات، أو قيام لجنة مختارة من أسر المرتهنين، برفع التماس لولي العهد البريطاني يناشده تبني هذه القضية الإنسانية.
مجمل القول إن زيارة الأمير تشارلز تتيح فرصة طيبة يمكن لها، إن أحسن استغلالها أن تسهم في تقديم خدمة دعائية للكويت، لا تقدر بثمن، إن كان ذلك على صعيد عرض الإنجازات أو طرح وإبراز الهموم..

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى