
لقد تضاعف حجم العنف والإرهاب في الآونة الأخيرة، وبالتحديد في السنوات العشرين الماضية، بصورة جعلت الكثير من الباحثين والتربويين وعلماء النفس يبحثون في كل المراجع عن أسباب لتلك الموجات المخيفة من أعمال العنف والإرهاب! وعلى الرغم من أن للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أدواراً بارزة في مضاعفة العنف، إلا أن الكثير أصبح يشير بأصبع الاتهام إلى مناهج التعليم والتربية في الدول العربية والإسلامية! حيث يرى البعض أنها تحوي تحريضاً مباشراً أو غير مباشر على ضرورة نفي الآخرين أو تجاهلهم، وقد تسرف بعض مناهج التعليم العربية في ذلك إلى درجة توجيه الناشئة إلى مجابهة الآخرين ومواجهتهم! وقد كان ذلك واضحاً في بعض المناهج الرئيسية التي تحث الشباب على الجهاد ومحاربة غير المسلمين أو مجابهتهم دون أن تبين الضوابط الإسلامية الحقيقية لما يتعلق بالجهاد! لذلك فقد اختلط الأمر لدى الكثير، وتلاشت معه تلك الرؤية الإسلامية الحكيمة بين ما يجوز ولا يجوز تعريفه بالجهاد!
فأصبح ذبح النساء والأطفال والشيوخ في الجزائر جهاداً ونصرة للدين الإسلامي، وصار قتل السياح المدنيين العزل في مصر محافظة على الإسلام والذود عنه، وأصبح تهديد المفكرين والكتاب وتكفيرهم حماية للفكر الإسلامي!
إن من الغبن أن تنسب مثل تلك الأخلاق والسلوكيات إلى الإسلام، خاصة أن الإسلام كدين قد سبق الكثير من الأديان في التنظير للتسامح، ولعل في الآية الشهيرة القائلة: F ﵟلَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِﵞ ﵝالبَقَرَةِ : ﵖﵕﵒﵜ ما يؤكد على تلك الخاصية التسامحية للإسلام!
ولكن كيف أصبح العنف الذي نشهده اليوم سواء في الجزائر أو في مصر أو في غيرهما من الدول عنواناً للجهاد؟ ومن الذي برر عمليات القتل الجماعي التي تشهدها الجزائر بكونها جهاداً في سبيل إعلاء كلمة الله! ومن الذي أفتى بأن قتل الأبرياء في مراكز عملهم في مركز التجارة الدولي هو عمل يخدم الإسلام أو يصب في خانة الجهاد في سبيل الله والدين؟
يروي الدكتور رفعت سيد أحمد عن نشأة جماعات العنف والجهاد في مصر، وذلك في كتابه “النبي المسلح”، حيث يرى أنها بدأت مع انشقاق جماعة “شباب محمد” عن جماعة الإخوان المسلمين في مطلع الأربعينيات، وقد اتضحت ملامح العنف في توجهاتهم مع حادث المنشية الذي استهدف الرئيس المصري جمال عبدالناصر! ويمضي الدكتور رفعت السيد في رواية تطور جماعات الجهاد والعنف في مصر، حيث يذكر أن إعلان العنف المسلح جهراً قد جاء في عام 1958 إثر خروج أحد شباب الإخوان المسلمين من السجن ومطالبته بإعلان “العنف المسلح”، وقد كان هذا الشاب، ويدعى نبيل البرعي، نشطاً مؤمناً بأفكار ابن تيمية ومتبنياً لكل ما جاء فيها كمنهج لحركة الإخوان المسلمين! ثم انضم إليه كل من إسماعيل الطنطاوي وعلوي مصطفى وحسن الهلاوي ومحمد الشرقاوي وأيمن الظواهري! وفي عام 1973 انشق علوي مصطفى وآخرون معه، وأعلنوا عن إقامة تنظيمهم الجديد، الذي سمي فيما بعد بتنظيم “الجهاد”، وهو التنظيم الذي قرر إعلان الحرب على اليهود.
وفي عام 1977 أعلن شكري أحمد مصطفى عن تنظيم “التكفير والهجرة”، ثم ظهرت “جماعة الجهاد الإسلامي” بقيادة عبدالسلام فرج وعبود الزمر في عام 1979، والتي قامت فيما بعد باغتيال الرئيس أنور السادات.
لقد ذكر الدكتور رفعت سيد أحمد الكثير من تفاصيل نشأة ونشاط جماعات الجهاد في كتابه “النبي المسلح”، والمؤسف أنها لم تحوِ أي نشاط تنموي أو إصلاحي يصب في الصالح العام أو صالح المسلمين، وإنما حوت نشاطاً مكثفاً هدفه استباحة دماء الآخرين وأموالهم، واتهام الناس بالخروج عن الإسلام، أو بعدم الالتزام بقواعده، وهو أمر ولا شك مخالف لما جاء به الإسلام وما حث عليه رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وما دعت إليه الرسالة المحمدية في قوله سبحانه وتعالى: وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧ﵞ ﵝالأَنبِيَاء :
