
المشهد الثاني: وزارة التربية
سمو ولي العهد..
تحية طيبة تحمل معها دعوة أخرى لزيارة جديدة، ومشهد آخر من مشاهد مآزقنا وحزننا!!
مشهد التربية مشهد جماعي لأن التربية مسؤولية الجميع، ولأن انعكاساتها ،سلباً كانت أم إيجاباً، ترسم حاضرنا ومستقبلنا بصورة تحتم علينا جميعاً الخضوع لهمومها وقلقها!! فهي المؤسسة الأم، والمصنع الأول في إنتاج الفرد والمواطن!! ولعلَّ التعديل الذي طرأ على مسمى هذه الوزارة، من وزارة التربية والتعليم، ليصبح وزارة “التربية” له مغزى واضح حول طبيعة علاقة التربية بالتعليم، والتي لا تقبل الفصل بل الانصهار التام لأننا في التعليم نربي، وبالتعليم ننشئ الفرد وبواسطة التعليم نعد بنية المجتمع الأساسية!!
سمو ولي العهد..
لقد فرضت معطيات العصر الحديث تحديات صارمة تواجهها كل المؤسسات التربوية التعليمية في العالم بأكمله.
مما دفع بدول كثيرة من حولنا لأن تجري مراجعات مستمرة لمساراتها التربوية التعليمية بغية التأكد من صلاحيتها وملاءمتها!!
وهو بالتحديد ما نفتقده هنا في الكويت، فالمشاريع التربوية تبقى متحجرة في مكانها، حتى وإن حاصرتها كل أدوات النقد، ولعلَّ أبلغ ما نصوغه كمثال هنا هو نظام المقررات المعمول به في غالبية المدارس في الكويت!! على الرغم من كونه نظاماً فاشلاً وعاجزاً، بشهادة تربويين كثر، وبدليل نتائجه “المدمرة” التي يقيسها المتعاملون معه!! فنظام المقررات لم يتركنا في مواجهة طالب ضعيف في تحصيله العلمي وحسب، وإنما ساهم كذلك في ترويج مفاهيم تربوية خاطئة!! فقد يكون نظام المقررات بشكله العام نظاماً جيداً، بما يوفره من ربط للتلاميذ بمجتمعهم وذلك من خلال تشجيع الطالب على البحث الميداني والتنقيب عن مصادر المعرفة خارج أسوار المدرسة التقليدية!! لكن ذلك لم يحدث بدليل استمرار هذا النظام تحت التجربة وبعد أكثر من 18 سنة منذ البدء به!! سقط خلالها المغزى من حرية البحث العلمي حين أصبح الطالب يستعين بـ “أدوات خارجية” لإجراء البحث، فالأسرة تعينه مادياً ومكاتب إجراء البحوث تمده بالمعلومة المطلوبة، وكل ما عليه أن يسلم البحث في تاريخه إلى المدرس المسؤول!! إذاً هي عملية تلاعب واضحة، المؤسف فيها أنها تتم بمساهمة الأسرة والمدرسة التي لا تخفى عليها أبداً مصادر الطالب في بحثه!! والمضحك المبكي هنا، أن الجميع سواء كان أسرة أم مدرسة أم طالباً، يرون في ذلك (حقاً) يبيحه (قانون) نظام المقررات!!
سمو ولي العهد…
نظام المقررات باق، ليس لأن أحداً لا يشك في سلبياته الكثيرة، ولكن لأن قرار التعامل معه غائب وعلى مدى 18 عاماً منذ بدء العمل به!! ولأن (الفتوى) بقرار يتعلق بما يقارب نصف مليون طالب كويتي، هي مسؤولية لا يحبذ أحد أن يتصدى لها!!
سمو ولي العهد..
نعلم جميعاً بأن العملية التعليمية تقوم على ثلاث ركائز: التلميذ والمعلم والمنهج!!
وإذا كان للتلميذ نصيبه من اللوم، لكونه يعاني من سلبية مفرطة في التعامل مع مناخه التعليمي، فإن المعلم يحمل نصيباً لا يحسد عليه!! فالتراجع المخيف في دور المدرس المربي والقدوة والقادر على إيصال المعلومة والمعرفة إلى طالب، يدفعنا اليوم لإجراء مراجعة لشروط ومتطلبات التعليم كمهنة!! خاصة أنها تغري – وبشروطها المتواضعة – شرائح كبيرة من المجتمع، رجالاً وإناثاً!
بل ولطالما اعتبر المجتمع التعليم مهنة المتكاسلين، وغير الطموحين!! مما جعلها في البداية ملاذ العاجزين عن إتمام الشهادة الثانوية، ثم أصبحت فيما بعد للهاربين من التعليم الجامعي!!
إن جزءاً كبيراً من البناء التعليمي يقع على عاتق المعلم والذي أصبح بحاجة ماسة اليوم لإعادة تأهيل وتقييم من خلال دورات تدريبية مكثفة تكون شبه إلزامية تميز بين المعلم والمربي، والمعلم الموظف!!
سمو ولي العهد..
للمنهج التعليمي أهمية يرى البعض أنها تفوق أهمية المعلم!! غير أنها نادراً ما تلقى حجمها من الاهتمام لدى وزراء التربية وبلا استثناء!! وفي استبيان نشرته جريدة الرأي العام مؤخراً أكدت نتائجه بأن المناهج المدرسية ما زالت قاصرة عن ربط التلاميذ بواقع مجتمعهم إضافة إلى تقصيرها في ترسيخ الفاعلية والإيجابية للمتعلمين، كما أشارت تلك النتائج إلى أن مناهجنا الدراسية تفتت المعرفة وهو ما يعد عيباً في بناء المنهج فضلاً عن أنها غير مترابطة بشكل مدروس بين مرحلة تعليمية وأخرى وبين المقررات في السنة الدراسية الواحدة!!
سمو ولي العهد..
نحن بالتأكيد لا نستطيع التحدث عن التعليم دون أن نتطرق للجامعة ودورها في العملية التعليمية الذي يبدو أنه دور متواضع جداً بدليل ضعف قدرات خريجيها وكفاءاتهم العملية!!
والأسباب في ذلك أن الجامعة تفتقد استراتيجية تعليمية واضحة تقوم على أساس التنسيق بين الجامعة كمصنع للقوى العاملة من جهة، وبين المجتمع باعتباره المستهلك الأول من جهة أخرى.
سمو ولي العهد..
إذا كان التعليم في انحدار فتلك حقيقة تؤكدها مخرجات التعليم الرديئة، بالإضافة إلى الهجرة الكبيرة للمدارس الخاصة على الرغم من تبعاتها المالية المرهقة!! وإذا كان التعليم مسيساً فذلك واقع يؤكده صراع الأحزاب السياسية الشرس للتربع على كرسي وزارة التربية!! ومن ثم وضع سياسة تعليمية تربوية حزبية بحتة!!
غير أن ذلك لا يعني أن المواطن سيتخلى عن حقه في تعليم جيد!! وإذا كانت العثرات كثيرة، فالمخارج أيضاً كثيرة!! أولها بناء جبهة تتحمل القرار التربوي التعليمي، والذي هو قرار متجدد دوماً بسبب ديناميكية التعليم ووسائله!! وحتى لا نجد أنفسنا في مواجهة قرارات (في طور التجربة) الدائم، كقرار نظام المقررات، وتأنيث مدارس البنين الابتدائية، وقرار الحقيبة المدرسية وغيرها من قرارات تهاونت عن النظر بشأنها إدارات كثيرة عبرت بوزارة التربية!!
سمو ولي العهد..
إن التعليم قضية وطنية بالدرجة الأولى.. وهو مسؤولية جماعية يشترط مساهمة الأطراف كلها في إصلاحه ورقابته!!
وكم نتمنى لو تسود تلك الروح وتلك المسؤولية، لنبني معاً مجتمعاً متعلماً ومثقفاً وقادراً على التصدي لحرب تربوية يشنها النظام العراقي، ويسعى من خلالها لتزوير المناهج الدراسية ومسخ الحقائق بـ “البراهين والمراجع المزورة”!!
فالشعب المتعلم، هو الشعب القادر على حماية أرضه وثقافته، وإنجازاته.
سمو ولي العهد..
إن الحديث عن أهمية إصلاح المسار التربوي في هذا الوطن هو حديث في بديهيات يدركها الجميع ويصر عليها كأولويات أساسية!! وكل ما أرجوه أن أكون قد وفقت ولو قليلاً في طرح بعض من كثير الهم التربوي لمن يريد حقاً أن يبدأ في الإصلاح والتقويم.
وفي النهاية هنا، لا يسعني إلا أن استودعك الله يا سمو ولي العهد، على أمل لقاء ثالث يجمعنا مع مشهدنا الثالث ومع الهم الاقتصادي!!
من مواطنة.. إلى سمو ولي العهد
