إعلانات الشوارع.. تلوث بصري
[جريدة القبس 6/11/2018 (1) المقال منشور في محور "وزارات ومؤسسات الدولة" بعنوان: "البلدية وكارثة الخليج" ونشر في جريدة القبس بتاريخ 17/4/2018]

منذ بضعة أشهر كتبت مقالة في القبس، حول اللوحات الإعلانية التي أصبحت تشوه شارع الخليج العربي بشكل مخيف(1)، يومها خاطبت البلدية كونها الجهة المسؤولة عن تقويم مثل هذا الانحراف البصري المزعج، وبالطبع، وكما هي عادة مؤسساتنا في التعامل مع ملاحظات المواطنين، لم يلقَ خطابي، ولا خطاب زملاء كثر تطرقوا للموضوع، أذناً تسمع، ولا ضميراً يقظاً، بل استمر إعصار اللوحات العملاقة المدمر في مساره جارفاً معه كل ملامح الجمال، التي طالما ميزت شارع الخليج العربي.
ظاهرة إعلانات الشوارع بشكل عام أصبحت تتحدى القانون وبشكل استفزازي، والمخيف أن أغلبها في محافظات مثل الجهراء والفروانية وحولي، تتسلق كل شيء، من إشارات المرور إلى مرافق الدولة، بل وحتى اللوحات الإرشادية المرورية هي الأخرى لم تسلم من الطفيليات الإعلانية، التي تروج لكل شيء، بدءاً من دعوات الأعراس ومروراً بمناسبات التخرج، وصولاً إلى بيع السيارات وكل الخدمات، ولم تنجح حتى الآن كل حملات الإزالة والغرامات المالية في كبح جماح غول الإعلانات الشره.
اليوم تسلل هذا الغول ليفترس أجمل شوارعنا على الإطلاق، شارع الخليج العربي، أو ما يعرف بالكورنيش، حيث المتنفس الأقرب للمواطنين والمقيمين ليتأملوا البحر، وهو يعانق أفق السماء الذي حجبته اليوم غابات من الإعلانات القبيحة والمتطفلة، فلا بحراً نرى ولا سماء نتأمل.
المثير هنا أن البلدية بأجهزتها الرقابية تخضع لمثل هذا التشويه المتعمد، وتخنع لجشع المعلنين، فلا تحرك ساكناً، بالرغم من كل الاستياء والشكوى التي طالما عبّر عنها المواطنون تجاه مثل هذا التلوث البصري المؤذي، الذي لا يراعي حق المارة ولا قائدي المركبات.
الإعلان اليوم ثقافة وفن وصناعة لها قوانينها وتعرفتها وأساليبها، وإعلانات الشوارع بالذات أصبحت لها شروطها الخاصة وضرائبها، خاصة مع ازدياد التنافس على المساحات، مما دفع المعلنين إلى الخروج بطرق وفنون دعائية مختلفة، لكنها بقيت في إطار الضوابط القانونية، لأنها تتعلق بمرفق حيوي ومهم، وهو طرق وشبكة المواصلات والشوارع، التي هي حق لكل مواطن ومقيم. لكن الأمر عندنا وبكل أسف ليس كذلك، فالعشوائية هي سيدة الإعلان وليس القانون، والمخالفات لا تثنيها العقوبات مهما كانت صارمة، لذلك فلا عجب إن رأينا شارعاً بجمال الكورنيش يتقهقر خلف سلسلة من غابات الإعلان القبيحة، ولا غرابة إذا ما رأينا كل هذا الصمت من البلدية، فالقانون غائب أو مغيب تماماً.
