الأرشيف

القرار تحت ظروف قاهرة

[جريدة الطليعة 18/9/1996]

لا نبالغ إذا ما قلنا إن ثمرة كارثة الغزو الوحيدة هي في ذلك الوعي الذي تفجر في قلب وكيان كل منا في هذا الوطن الصغير. ثمرة أدركناها جميعاً من خلال تنامي ذلك الحس الوطني بالمسؤولية المباشرة، وبالإصرار على المشاركة والمساهمة في مجريات الأحداث من حولنا، واستيعابها بصورة تحمينا من الوقوع في بركان المفاجأة والبغتة، كالذي اجتاحنا صبيحة الثاني من أغسطس المشؤوم. الأحداث الأخيرة في شمالي العراق، والتغلغل التركي والإيراني في المنطقة، وسلسلة (الترتيبات الأمنية) التي لم تنقطع ولم تتوقف كلها وقائع تؤكد لنا من جديد أن ما حدث لنا في هذا الوطن صبيحة الثاني من أغسطس 1990، لم يكن سوى مدخل وبداية لأحداث وقلاقل ستشكل سمات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لدول المنطقة إجمالاً ولأعوام قادمة يعلم الله وحده عددها.
لم تعد القضية الآن قضية تسامح.. أو مصالحة أو علاقات تعود أو لا تعود، بل لقد تشعبت المسألة وخرجت ذيولها وأطرافها من أيدينا بصورة مخيفة أصبحنا معها لا نطمح حالياً لأكثر من فهم واستيعاب لما يحدث، ووعي بالدوافع والأسباب التي ألقت بالمنطقة ودولها في هذا الكهف المظلم السوداويُ والمستقبل.
فمن السذاجة بمكان، أن نستمر في تصديق أسطورة الطاغية الخارق، الذي أخفقت تكنولوجيا العصر الحديث في النيل منه، أو أحجية فرق التفتيش الدولي التي عجزت عن الوصول إلى سراديب أسلحة وعتاد جيش الطاغية بحيث استطاع اجتياح مدن الشمال وإسقاطها في زمن قياسي!!
لم تعد القضية الماثلة أمامنا اليوم، قضية عدوان شنه دكتاتور أحمق أعماه طموحه الأهوج ودفعه للتعدي على جيرانه! بل لقد نمت القضية وتطورت وتشعبت أفرعها، بينما لا نزال نحن في هذا الوطن مصرين على التشبث بأحداثها ووقائعها الأولى كسبب رئيسي وأساسي لها!
فعلى الرغم من رفض الكثير منا لنظرية المؤامرة، إلا أن ذلك لا يجب أن يسلبنا حقنا كأفراد في الإصرار على رؤية استراتيجية بعيدة المدى لما يدور حولنا من أحداث. خاصة بعد أن أصبحنا في بؤرة الأحداث، وفي فوهة مدفع الصراع على المصالح، وبين خيارات مطروحة أمام النظام العالمي الجديد نشكل نحن أضعفها وأقلها كلفة وخسارة لهذا النظام.
فالغرب ليس مستعداً لأن يخسر العراق.. ولا أن يخسر إيران، والغرب – أو لنكن أكثر دقة – الولايات المتحدة تستميل تركيا، وتلاطفها لأنها أيضاً لا تستطيع أن تخسر تركيا!! مما يجعلنا أخف الخسائر وطأة وتأثيراً على الولايات المتحدة.
البعض يرى في الحديث بهذه الصورة، أو حتى التفكير بهذا النهج، إهداراً للوقت وللجهد واستباقاً للأحداث، وروحاً تشاؤمية تعيق البناء والمستقبل!! وهو تصور خاطئ علينا أن ندحضه، فوضوح الرؤية هو أساس السير باستقامة، والوعي والإدراك هما أول العتبات نحو أي بناء أو عمل أو إنجاز.
قد يكون من الصعب جداً علينا في الوقت الحاضر أن نستنكر أي إجراء عقابي يقع على العراق، فالجرح لا يزال ندياً رطباً. وأداة الجريمة والعدوان لا تزال قابعة في أعلى السلم السياسي في بغداد. وإن كنا نطمح هنا مع تسابق الأحداث من حولنا إلى نضج في الرؤية وترو في التحليل، وتطور في المتابعة يتماشى مع سرعة تطور الأحداث وتتابعها. خاصة بعد أن أصبحت كل المؤشرات من حولنا تطلق نذيراً بضرورة الإنصات لذلك المنطق في الرؤية، والذي كان من نتائجه المباشرة رفض دول المنطقة أن تستخدم أراضيها كمقر لإطلاق الصواريخ باتجاه بغداد!
قد لا نستطيع من موقعنا كأفراد ومواطنين أن نطلع على بواطن الأمور، وأحاديث ما وراء الكواليس. وإن كنا بلا شك نستطيع أن نستشف تبدلاً في النغمة السياسية من حولنا خاصة من الدول التي شكلت عصب التحالف الدولي عربية كانت أم لا وهو أمر يقودنا إلى حقيقة واحدة، ألا وهي أن الوقت قد حان لأن نتطور في قرارنا السياسي مع تطور الأحداث من حولنا. وأن نضع حساب الخسارة قبل الربح خاصة بعد الشرخ الكبير الذي أصاب (عصبة) النظام العالمي الجديد، مما جعلنا نبدو كالحليف الوحيد لقوة عظمى تفصلنا عنها آلاف مؤلفة من الأميال، والعدو الوحيد لدول مجاورة وملاصقة.. نقتسم وإياها التاريخ والمستقبل!
والقرار تحت ظروف كهذه قرار صعب يتطلب حكمة استراتيجية.. لا مهارة قتالية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى