الأرشيف

مرجعية العاطفة السياسية

[جريدة القبس 20/4/2024]

شكّل غزو الكويت عام 1990 مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، انعكست تبعاتها على الصراعات فيها، وطبيعة الحروب وهيئتها، وشكل النزاعات ومسبباتها.
مع الغزو سكَتتْ مدافع الحرب الأهلية في لبنان، بعد أن تحالف “الأعداء” حينها بفعل المُعطيات الجديدة، التي أثارها غزو الكويت، وبعد الغزو توالت اتفاقيات “السلام” الزائفة مع الكيان الصهيوني، من أوسلو إلى مؤتمر مدريد ووادي عربة وغيرها. بعد الغزو بسنوات، تم إسقاط نظام صدام حسين، ومعه تم إعطاء الضوء الأخضر لإيران لفرض هيمنتها على عاصمة عربية أخرى بعد لبنان، فأصبحت بغداد تتحدث الفارسية، ثم جاءت الفرصة مع انتفاضة الربيع العربي لِتَسقط دولة عربية ثالثة تحت النفوذ الإيراني، وهي سوريا، ولتلحقها فيما بعد اليمن.
لكي نفهم الحروب، علينا أن ننظر إلى هوامشها، لا إلى ساحات معاركها المباشرة، فهذه ستكون نظرة قاصرة وقصيرة المدى، وهو ما دأب العرب عامة، وسياسيون ومفكرون، وبكل أسف على ممارسته، بحيث جاءت النتائج كارثية على الأمة العربية وفق ما تعيشه المنطقة من أحداث وتطورات.
مع غزو الكويت تم تفتيت وتقسيم العالم العربي بشكل خَدَم ويخدم كل الأحداث والأجندات السياسية والعسكرية التي أعقبت ذلك، وبما فيها الأحداث التي تعيشها اليوم غزة، وعودة سريعة بالتاريخ إلى الفرق بين دور الموطن العربي إبان انتفاضة الحجارة في الثمانينيات، وبين صمت الساحات العربية اليوم أمام ما يحدث في غزة، تؤكد لنا مدى عمق الشرخ، الذي حدث وفَرَزَ العالم العربي وساحاته إلى معسكرات متنافرة بعد غزو الكويت.
يقال دائماً إن الإنسان العربي مُفرَط العاطفة، وان ذلك يتداخل دائماً مع هواه وتوجّهه، بل وحتى في قراراته ومواقفه السياسية، ولعل ذلك كان مدخلاً مغرياً لقوى دولية، طالما رأت في صراعات وحروب دول المنطقة مصدراً وافراً للرزق، فجاءت بلعبة “التوازنات” والطائفية، وأثارت معها المخاطر التي يشكّلها كل فريق ضد الآخر، وعادت قضية الفرز السني – الشيعي، لتصبح المُهيمنة على نزاعات وصراعات وحروب في المنطقة.
لقد كررها التاريخ في أكثر من حقبة، بأن الفرز الطائفي لا يقود إلى أي محطة، لكننا حملنا مثل هذا الوِزر حتى في تعاملنا مع قضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية، والتي تنازعها مثل هذا الفَرز، وبشكل أوقعنا جميعاً في الفخ، وأصبح معه السني يرى في الشيعي، في الكثير من الأحيان، خطراً يفوق في درجته الخطر الوجودي والحقيقي الذي يُشكّله الإسرائيلي.
لقد تغلّبت العاطفة السياسية الانفعالية عند الكثير من العرب على الحصافة السياسية، وبشكل انعكس وبوضوح على مواقفنا وقراراتنا، بل وحتى على استراتيجيات معظم أنظمتنا السياسية، فلم يُمارس أغلبية العرب سياسة حقيقية في صراعاتهم الإقليمية، بخلاف التحذير من المد الشيعي وضرورة مواجهته، بينما يستخدم الطرف الآخر دهاء سياسياً بحتاً، مكّنه من تحقيق العديد من أهدافه في المنطقة.
العاطفة عدو العقل، خاصة حين يتعلّق الأمر بقرارات سياسية مصيرية، وهي – أي العاطفة – تُغلّف اليوم ليس فقط المواقف الرسمية، بل وتتحكّم في المزاج والهوية والرؤية للمواطن العربي في كل مكان، مما حوّل المنطقة بشعوبها وثرواتها ومستقبلها لتكون حطباً لنيران الحروب المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط بأكمله.
منذ غزو الكويت، دخلت المنطقة بأسرها حقبة جديدة من الحروب الاستنزافية، تستنزف الشعوب والدول العربية نفسها بنفسها، وتبحث فيما بعد عمّن أشعل النيران في أطرافها، واقع مرير تعيشه المنطقة العربية، وهي تنتظر النجاة من منقذ هلامي الوجود، فمصر، الأم الكبيرة، محاصرة بأزماتها الاقتصادية، والعراق أسير النزاع الطائفي، وسوريا رهن التقسيم بين الشركات العالمية، واليمن جراحه دامية، وليبيا ممزقة، والسودان جريح، وفلسطين بانتظار أن يبدأ العرب باستخدام عقولهم لا عاطفتهم لنجدتها، وفي ظل عاطفة سياسية باتت مُهيمنة على القرار والفكر والمرجعية، يسود الشك الجميع في إمكانية الوصول إلى مخرج حصيف وآمن من هكذا حاضر.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى