الأرشيف

الذباب الإلكتروني

[جريدة القبس 7/9/2024]

بهدف إيقاف إساءات الحسابات الوهمية إلى رموز دول في مجلس التعاون وشعوبها، انطلقت حملة خليجية لمكافحة الذباب الإلكتروني، كما سعت دول عربية أخرى لمواجهة جيوش الذباب الإلكتروني من قبل، وعلى الرغم من أن ظاهرة الجيوش الإلكترونية هي ظاهرة موجودة في كل العالم، فإنها، وفقاً لأحد المختصين في هذا المجال، تأتي بشكل أخطر في الشرق الأوسط، وهو ما تم رصده إبان الربيع العربي، حين قامت جيوش إلكترونية افتراضية بنشر معلومات وأخبار مضلّلة في ما يتعلّق بالأحداث الجارية حينها، في محاولة من كل مجموعة لتشويه مجموعة أخرى منافِسَة عن طريق نشر تُهَم وأخبار كاذبة، وبينما تقوم دول الغرب بتوظيف مثل هذه الجيوش لبث رسائل سياسية أو تشكيل ضغط من نوع ما، تأتي جيوش العرب الإلكترونية محمّلة بأخبار كاذبة، وأسماء وهمية، يدعمها في ذلك جيش من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
يُعرّف الذباب الإلكتروني بكونه مصطلحاً يعني مجموعة من الحسابات الآلية المُبَرمَجَة على نشر خبر بِهَدَف التأثير في الوعي العام، أو لأهداف أخرى تخدم فئة دون أخرى أو فكرة دون ما يقابلها من فكر مُختلف، وتنشَط تلك المجموعات، كما هو مُلاحَظ، إبان الأزمات السياسية أو الانشقاقات الفكرية، وقد تتوسّع دائرتها هنا لتشمل حكومات ومؤسسات مالية واقتصادية. إذاً هنالك أبعاد سياسية وفكرية مُتجذّرة في بنية الوعي العربي السياسي، أدّت الى مثل هذا الاختلاف في استخدام جيوش الذباب الإلكتروني بين العرب والغرب، حيث تتّسم المسألة في حالة الغرب بشيء من التنظيم، يدعمه وعي اجتماعي وسياسي قادر على التمييز، وهو ما أعلنت عنه وزيرة الدفاع الألمانية عام 2017، حين كشَفَت عن إطلاق الجيش الإلكتروني الألماني، الذي يتبع لوزارة الدفاع، إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية، وبأن عمله لن يقتصر على صد الهجمات الإلكترونية، بل سيرد عليها، سواء كانت في تجسس بسيط أو سرقة بيانات أو تلاعب وتأثير. بينما في الحالة العربية تكون الفوضى الفكرية سائدة بفعل غياب النضج السياسي والفكري التراكمي لأسباب متعددة، تتفاوت بين السياسي منها والاجتماعي.
كعادة الثقافة العربية، يتم التعامل مع النتائج والإفرازات دون العودة إلى المُسبّبات والأسباب، فالخطر الحقيقي ليس في ما أصبح يُشكّله الذباب الإلكتروني من فوضى في الوعي والأولويات والرؤى، وإنما في البُنية السياسية والفكرية العربية، التي مكّنت مثل هذا الذباب من أن يجد له موطناً في منظومة الحوار والنقاش على ساحات العرب الافتراضية.
إن الشعوب التي تجد لها منفذاً حراً للتعبير، يتراجع لديها منسوب الإشاعة، وتتقلّص فيها الحاجة للجوء إلى التخَفّي وراء أسماء ومواقع وهمية، في مقابل ارتفاع مستوى الشفافية في التعبير، والحوار، وتبادل الرأي والحجة. وهو ما تتميز به المجتمعات الغربية، التي تؤمّن دساتيرها علاقة أفقية بين المواطن والدولة، يكون فيها مفهوم المواطَنَة قائماً على علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة، بينما تختلف هذه العلاقة في المجتمعات العربية، التي تَتّسم العلاقات فيها بالتراتبية العمودية، والتي غالباً ما تحكمها اعتبارات عشائرية وطائفية وعرقية، وبصورة تجرّد المواطن الفرد من مساحة الحرية، وخاصة حرية التعبير، فيلجأ للأسماء والمواقع الافتراضية الوهمية، ليبث من خلالها ما يعجز عنه في ظل المحرّمات الاجتماعية والسياسية والفكرية. هؤلاء هم من يصبح مستقبلاً وقوداً لجيوش الذباب الإلكتروني، التي أصبحت بالفعل أكثر خطراً على استقرار الدول من الجيوش العسكرية.
لا خلاف إطلاقاً حول ذلك إذاً، لكن ليس من دون معالجة مَكامِن الخلل، التي مكّنت تلك الجيوش الإلكترونية من تهديد أمننا واستقرارنا وعلاقاتنا الاجتماعية والسياسية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى