
عندما هدّد عبدالكريم قاسم الكويت في عام 1961 صَدَحَت حينها حنجرة الفنان شادي الخليج بأول أغنية وطنية “يا حماة العرين”، القصيدة كانت للشاعر الوطني الكبير عبدالله السنان، ولحنها قامة الموسيقى في الكويت الراحل أحمد باقر، ومنذ ذلك الحين وحتى أسبوعين مضيا، بقيت “يا حماة العرين” الشارة المُعتَمَدَة في كل نشرات الأخبار، سواء في الإذاعة أو في التلفزيون.
عادت هذه الأغنية الخالدة إبان فترة الغزو، ثم أصبحت عنواناً لكل فترات الحروب والمخاطر التي عبرت بها الكويت، ارتبطت بوجدان كل مواطن، وأيقظت مشاعر الخوف على الوطن وضرورة الذود عنه والدفاع عن ترابه. أصبحت مع الوقت أيقونة الاستعداد لدفع الأذى عن الكويت، تماماً مثلما أصبحت رائعة الراحل عبدالكريم عبد القادر “وطن النهار” شارة التحرير والعودة والفرح.
لعبت الأغنية الوطنية دوراً أساسياً في تحفيز المشاعر والانتماء والارتباط بالأرض وبسمائها وترابها، ليس في الكويت وحدها، وإنما في العالم كله، ففي العالم العربي، حيث شهدت الساحة الفنية، بعد احتلال فلسطين وسلسلة الحروب العربية مع الكيان الصهيوني، وانطلاق الثورات التحريرية في عالمنا العربي، مجموعة من الأغاني الوطنية، التي لا تزال عالقة في الذاكرة والوجدان، من وطني حبيبي الوطن الأكبر، إلى رائعة عبدالحليم حافظ “السد العالي”، وروائع محمد عبدالوهاب من “أخي جاوز الظالمون المدى”، إلى “أصبح عندي الآن بندقية”، ثم صدحت فيروز بحنجرتها الذهبية، والتي تجوّلت طرباً وطنياً خالصاً من مصر إلى فلسطين ومن العراق إلى الكويت.
عبرت الأغنية الوطنية في الكويت بمراحل مختلفة، بعضها محلي الطابع، مثل حماة العرين، وطاب النشيد، والفجر نوّر، لتلتحم الجهود الفنية الكويتية بقامات عربية أثرَت الأغنية الوطنية في الكويت، فصدحت السيدة أم كلثوم برائعتها “يا دارنا يا دار”، ثم تغنّى موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب بالكويت من خلال رائعته “الكويت العربية”، وأعقبه العندليب عبدالحليم حافظ بأغنيتين في الكويت “من الجهراء للسالمية”، و”العيد العيد”، وكذلك كان للكويت نصيب من حنجرة نجاة الصغيرة الدافئة حين غنت “يا ساحل الفنطاس”، و”بلدي المحبوب”، ثم جاء الموسيقار فريد الأطرش بأغنية “يا مرحبا يا كويتنا”، و”أرض الكويت”.
الأغنية الوطنية سلاح ناعم، كان لها دور رائع في الشقيقة مصر وفي الكويت، فهما تملكان أكبر حصيلة من الأغاني الوطنية، التي كانت تحاكي الأوضاع السياسية في كل مرحلة، وتوقظ المشاعر الوطنية الخالصة في النفوس بشكل كبير.
في لقاء مع الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي، استعرض فيه تاريخ الأغنية الوطنية منذ ثورة 1919، يروي فيه كيف أن ثورة الأغنيات والأناشيد الوطنية ظلت مُلهِمَة على مدى السنين والأحداث، لكنها تحولت في فجر الثمانينيات إلى أغاني مناسبات تُذاع بتكليف رسمي من وزارة الثقافة والإعلام، مما أفقدَها دورَها، ولم يعد يسمع بها رجل الشارع العادي. وحديث الناقد أحمد السماحي يعيدنا إلى مسار الأغنية الوطنية في الكويت، فبعد أوبريتات “حديث السور، والسندباد البحري، وموكب الوفاء، ومذكرات بحار”، والتي لا تزال موسيقاها وكلماتها خالدة ترددها الأجيال باختلاف أعمارها، ظهرت على الساحة أوبريتات شهدت نهايتها فوق المسرح، ولم تخرج كلماتها خارجه، ولم ترددها القلوب والألسن، ذابت مع الوقت، ولجأ الكثيرون لاستحضار “إحنا عشقناها” و”أسوارنا سورها”، و”بلدي الكويت” و”كلما زادت المحن”، وغيرها من إبداعات خالدة.
اليوم تقع وزارة الإعلام في المحظور، وتكرر الخطأ بتغييرها شارة نشرات الأخبار المرئية والمسموعة من “يا حماة العرين” إلى موسيقى مبهمة لا مرجع لها ولا تاريخ.
الجميع اليوم يناشد وزارة الإعلام بإعادة الشارة الوطنية، التي نشأت في ظلها أجيال، تُردَد “آن أن نحمي الحما والوطنا، آن أن ندفع عنه الإيحنا، آن أن نصمد صفاً واحداً، آن أن نقصي العدو الأرعنا. يا حماة العرين لقنوا المعتدين درسنا باليمين ضربة لن تلين”.
أعيدوها يا وزارة الإعلام، فهي جزء من تاريخ فني إعلامي وطني مهم وجميل وخالد.
