الأرشيف

ثورة القبس الرقمية

[جريدة القبس 22/12/2020]

تحت إشراف طاقات كويتية شبابية، مثل: أنس الريّس وفرح الغربللي، وجاسم القامس، أعلنت القبس ثورتها الرقمية، التي تأتي كجزء من خطتها الاستراتيجية للتحوّل إلى مؤسسة إعلامية شاملة، تقدّم موادَّ مكتوبة ومرئية، ومسموعة.
وتحت شعار مثل هذه الثورة الرقمية التي اجتاحت مؤسسات إعلامية عريقة يبرز السؤال الجدلي، الذي لا يزال عالقاً في فضاء الحوارات الإعلامية والأدبية منذ فجر التسعينيات.
سؤال حول مصير الكتاب الورقي والصحافة الورقية والإعلام التقليدي، سواء كان مرئياً أو مسموعاً، في ظل ثورة الاتصالات والتواصل والتكنولوجيا الصاخبة التي اجتاحت في طريقها واجتثت الكثير من الموروثات المتعلقة بالإعلام والصحافة التقليدية.
الحديث هنا، لا شك، يتعلق بفروقات جوهرية بين جيل رقمي بشكل كامل، وجيل آخر لا يزال يعشق رائحة الورق في الكتاب، وملمس القلم في الكتابة، وهي فروقات قد لا نبالغ إذا ما وصفناها بالفروقات الثقافية الجذرية، فهنالك اليوم فجوة في الاستيعاب لمثل هذا التحوّل الرقمي بين جيل اليوم وجيل الأمس، فجوة طالت مفاهيم كثيرة بدءاً من التعليم، إلى التسوّق، إلى العلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية، وأمور أخرى كثيرة، وبالطبع، فقد جاء نصيب الصحافة والإعلام ليكون كنصيب الأسد في هذه النقلة الهائلة، فلم يعد الإعلام ورقياً كان أو مرئياً، متصدراً في سباق سرعة نقل الخبر، فأغلب الأخبار يتم تداولها على الحسابات الشخصية قبل المواقع الإخبارية الرسمية، وهو ما أحدث خللاً في مصداقية المعلومة، لكن هذا ليس موضوعنا هنا.
لقد خدمت التكنولوجيا الصحافة بشكل غير مسبوق، لكن الضريبة جاءت على هيئة تحديات غير مسبوقة أيضاً، وبشكل أصبح يهدد كل ما هو تقليدي في الإعلام، فكان أن أدى إما إلى التراجع ثم الإغلاق، وإما إلى محاولة مواجهة التحدي، ومن ثم الاستمرار بأدوات مختلفة، وهو بالتحديد ما تطمح إليه القبس في إعلانها عن ثورتها الرقمية، ولن يكون التحدي بالطبع سهلاً، فعامل السرعة الذي سيحكم الصحافة الإلكترونية سيواجه حتماً صعوبات في صناعة مثل هذا الإعلام الجديد؛ لذلك سيتطلب الأمر غالباً الاستعانة بكوادر ومؤسسات ضالعة في التعامل مع تقنيات الصحافة الإلكترونية.
عالم جديد إذاً، فرضته تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت، كان فيه، وكما ذكرت لاحقاً، للصحافة نصيب الأسد من حيث كونها حاوية لكل الآراء سياسية كانت أو فكرية، وهو ما يفرض تحدياً آخر قد تواجهه مؤسسات، أعلنت عن ثورتها الرقمية مثلما فعلت القبس؛ فالفضاء الإلكتروني الرحب يبقى خاضعاً لتشريعات الرقابة بدليل صدور قوانين، مثل قانون الجرائم الإلكترونية السيِّئ، الذي يسعى إلى محاصرة مثل هذا الانفتاح المتشعِّب فكرياً وخبرياً؛ لذلك ستبقى معركة الدفاع عن حرية الرأي والكلمة في صلب مهام الصحافة الرقمية، بل قد تكون هي المعركة؛ فقوانين الرقابة الفكرية، مسبقة كانت أو لاحقة، تتعارض – وبشكل كبير – مع المعايير المطلوب توافرها في الصحافة الرقمية التي قد يكون من الصعب بمكان تقييدها بقوانين، مهما بلغت دقة صياغتها. أو كما جاء في وصف الخبير الأمريكي في الصحافة الاستقصائية، سيمور هيرش، الذي شبّه الصحافة الإلكترونية بالخيول التي انطلقت من زمامها، ولا يمكن توقيفها.
نبارك لـ القبس ثورتها الرقمية، وتطوير منصاتها بإشراف إدارتها الشبابية؛ فهم من يملكون المستقبل في النهاية، وسنبقى – نحن الجيل الأقدم – متابعين ومراقبين، على أمل أن نواكب ما ستطرحه هذه الثورة الرقمية من تغيير في صناعة الكلمة، وترويجها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى