
في حمى الصراع الدائر الكل يتهم الكل، الصحافة تتهم النواب بالبذاءة، والنواب بدورهم يتهمون الصحافة بالخروج عن ضميرها المهني، ومسؤولياتها الإعلامية!
لقد خرج الأمر عن حدود البذاءة والشتائم، وأصبح لبعض الصحف والإعلام دور مشبوه ومقيت بالطعن في أعراض الناس، واستعراض تفاصيل دقيقة من حياتهم الشخصية، وتشويه صورهم بشكل مزرٍ وكئيب، بهدف الانتصار في معارك سياسية بحتة!
الحل الحكومي تجاه مثل هذا الخروج السافر عن حدود المسؤولية والأمانة الصحافية، هو كالعادة إعلان المزيد من التعديلات على قانون المرئي والمسموع، وتغليظ العقوبات على الإعلام!
نحن اليوم أمام أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة إعلام! ونحن اليوم في مواجهة خلط سافر للأوراق، وليس صراعاً سياسياً بحتاً! نحن اليوم نقف مباشرة في مواجهة تحدٍّ شرس تقوده مؤسسات الفساد وإعلامها للنيل من خصومها بشكل غير مسبوق، متجاوزة بذلك أدنى مقومات الأخلاق والضمير والمهنية!
وإذا كانت الحكومة قد أغلقت مكتب قناة الجزيرة لتجاوزها الحدود وإثارة الفتنة، فماذا هي فاعلة مع الأقلام والأصوات التي تثير فتناً مضاعفة عما أثارته الجزيرة؟!
هل ستكتفي بعقوبات المرئي والمسموع الغليظة لكبح جماح بعض الأقلام الرديئة، والتي لا تثير فتنة وحسب، وإنما تعبث بمقومات مجتمع صغير مترابط ومتداخل كالمجتمع الكويتي؟! لا أتصور ذلك، فالحكومة كانت بشكل أو بآخر تغض النظر، وتصفح عن “هفوات” بعض الأقلام والأصوات بشكل واضح وبعيد جداً عن عدالة القانون وميزانه! وهو أمر كثيراً ما أثار استياء وتساؤل المواطن المتابع!
الحرب المقبلة، والصراع المتوقع، ليس في الكويت وحسب وإنما في العالم أجمع، سيكونان صراعاً إعلامياً، تقوده مؤسسات إعلامية أصبحت تتجاوز الدول والحكومات في نفوذها وسلطتها! وما تسريبات “ويكيليكس” وغيرها سوى دليل على ذلك! ومثلما كانت الشركات المتعددة الجنسيات في القرن الماضي دولاً قائمة بذاتها، لا ينقصها سوى العلم والنشيد الوطني، فقد أصبحت اليوم المؤسسات الإعلامية دولاً هي الأخرى تسقط حكومات، وتفرض قوانين، وتحرك شوارع! ولا استثناء للكويت من ذلك، فلقد أصبحت المؤسسات الإعلامية فيها هي التي تحرك الشارع وتثيره، لذلك فهي تتحمل المسؤولية الأولى في كل ما تشهده الساحة من مظاهر شحن وإثارة وعنف وتحريض!
والقادم سيكون أفظع وأشرس، خصوصاً في ظل زيادة عددها، واختلاف أجنداتها!
التعديلات إذاً لا يجب أن تقتصر على قانون المرئي والمسموع، وإنما يجب أن تعالج أولاً هذا التداخل المخيف في الأجندات بين أقطاب يشكلون ثقلاً اجتماعياً وسياسياً، ولا يتوانون عن استخدام جميع الأسلحة، بما في ذلك المنافية للأخلاق والمتعارضة مع حرمة المهنة وضميرها.
