غير مصنف

دولة وزارة الأوقاف

[جريدة القبس 25/7/2022]

مسألة التخصّصات عائمة وغير مُحدّدة الملامح، خبير بيئي، ومُرشد نفسي، ومدرّب حياة، ومُصلِح ديني، ومنظّر سياسي، وناقد إعلامي وهكذا، لا تعريفات مُحدّدة ولا معايير مُشْرِفة على كثير من الأنشطة، حتى أصبحت المسألة خاضعة للتقييم والاجتهاد الذاتي في الغالب.
مشكلة فصل كلية الحقوق عن الشريعة مثلاً لا تزال عالقة ومُربِكة للمحاماة كمهنة، وهي مشكلة نَتَجَ عنها تخبّط وفوضى في تعريف مهنة المحامي وحدود وشروط عمله، خاصة في ظل الفارق في المستوى الأكاديمي بين كلية الشريعة وكلية الحقوق، والذي ضاعف من أعداد منتسبي كلية الشريعة الذين أصبحت شهاداتهم تؤهّلهم لمزاولة مهنة المحاماة رغم الفرق الواضح في المؤهلات الأكاديمية في كلا التخصصين، وهو وضع مشابه هنا لفوضى التخصّصات المشار إليها أعلاه.
تقودنا هذه الصورة وبشكل سريع إلى تصريح غريب صدَرَ عن قطب من أقطاب الإسلام السياسي، يقترح فيه تكليف الهيئة العامة لشؤون القُصّر والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والأمانة العامة للأوقاف بتعمير وتشغيل أسواق المباركية التراثية، وهو أمر إن سلّمنا به، واعتبرنا أن المؤسّستين الأولى والثانية على علاقة بهذه المهمة من حيث ملاءتهما المالية والتمويلية، فإن الأمر قطعاً لا ينطبق لا من بعيد ولا من قريب على وزارة الأوقاف التي لا تحمل أي صفة ولا بشكل من الأشكال للأماكن التراثية.
هذا بخلاف سجل وزارة الأوقاف في التجاوزات، والذي تُطالعنا به الصحف وتقارير ديوان المحاسبة، فمن موظف اختلس مئات الآلاف، إلى محاسب سرق ربع مليون دينار، إلى سجن لموظفين سابقين في وزارة الأوقاف في قضايا اختلاس، هذا بالطبع بخلاف تجاوزات بعض الأئمة الذين يسجّلون حضوراً من دون مزاولة فعلية للعمل، بإلإضافة إلى عشرات المؤذنين المُتغَيبين عن عملهم، والعديد من خطباء المساجد الذين يستغل بعضهم منبره لترويج مشاريع سياسية أو فكرية خاصة به أو بحزبه أو تياره.
لا يمكن لأي جهة تتحدّث بلغة المال أن تكون راعية أو حامية للأماكن التراثية، فقد شهدنا جميعاً كيف طغَت القيمة المالية على القيمة التراثية حين تم هَدم سينما الأندلس، وسينما حولي الصيفي، وحين أسقَطَ أحد الجهلة مُجسّم الكرة الأرضية في ثانوية الشويخ، وغيرها الكثير. وحدهم المعماريون والمهتمون بالفنون والآثار هم من يتحرّكون دائماً في كل مرة يُصيب فيها أحد المعالم التراثية ضرر.
لا التأمينات ولا شؤون القُصّر، وقطعاً ليس وزارة الأوقاف، مُخوّلة بالإشراف على الحِفاظ على المباني التراثية، فهنالك المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والذي قام على يد مواطنين مُستنيرين مثل الراحل عبدالعزيز حسين عام 1973، الذي من مهامّه الأساسية عملية التنمية الفكرية والثقافية والفنية ضمن رؤية واضحة تعمل على رعاية الثقافة والفنون والنهوض بها. بالإضافة، إلى كون الآثار والمتاحف تحت وصايته المباشرة، حيث ينص ميثاقه على أن المحافظة على الآثار من الأهداف السامية التي ينشدها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، فيقول: «فقد بدا واضحاً أن الآثار هي المُنتَج الذي يعكس هوية الشعوب وثقافتها، وأن الكثير من الدول قد أدركت تلك الأهمية فسَعَت جاهدة إلى زيادة الاستقصاء المعرفي، وحيث تتمازج الآثار مع العديد من أوجه الأنشطة في المجتمعات الحديثة» (انتهى).
لن يجد أحد صعوبة في الإجابة على سؤال حول علاقة وزارة الأوقاف بهكذا مهام؟ وحتى لو افترضنا أن الأوقاف دخلت من بوابة المحافظة على المساجد التراثية فإنها – أي المساجد التراثية – أساساً في رعاية المجلس الوطني وليست تحت مظلة وزارة الأوقاف.
واضح أن وزارة الأوقاف قد تحوّلت تدريجياً إلى دولة قائمة بذاتها، لها مؤسساتها التعليمية وقوانينها التوظيفية ومشاريعها المُتداخلة مع تخصّصات مؤسسات تربوية أخرى، مثل إعلانها أخيراً عن مسابقة تأليف قصص الأطفال! أو كما أعلن قطب الإسلام السياسي المُشار إليه في الأعلى مؤخراً، حين طالَبَ باستحداث برنامج مُعلّم القرآن في كلية التربية الأساسية.
نفوذ وسلطة وزارة الأوقاف أصبحا مثيرين لدهشة الكثيرين من الذين أذهَلهم تمدد اختصاص هذه الوزارة الفريدة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى