
مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية
قد تختلف ظروف مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ومعهد الكويت للأبحاث، من حيث أنها، وبسبب ظروف ومحيط نشاطها، تعتبر أكثر قرباً والتصاقاً بالمجتمع وبأفراده وبمؤسساته الأخرى، وإن كانت لا تختلف عن تلك المؤسستين من حيث درجة الترف والرفاهية والتي طالما حظيت بها مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية.
يعود تاريخ هذه المؤسسة إلى ذلك الصباح من عام 1932، وقبل أن تبرز الكويت كواحدة من البلدان الرئيسية المصدرة للبترول في العالم، حيث استقبل مدرج رملي يقع خارج أسوار مدينة الكويت أول طائرة تهبط فيه، وكانت بريطانية الصنع من نوع “هاندلي بيج هرمس”، وبتلك الرحلة بزغ فجر الطيران التجاري في الكويت، وفي عام 1946، تم تصدير أول شحنة من النفط، وبدأ الازدهار الاقتصادي، وبعد ثماني سنوات تم تأسيس شركة طيران وطنية. وفي مارس 1954 تم الإعلان عن تأسيس شركة الخطوط الجوية الوطنية الكويتية برأسمال قدره مليونا روبية (150 ألف دينار). وبحلول عام 1955 واجهت الشركة مصاعب مالية، مما دفع الحكومة إلى تقديم المساعدة عن طريق تملك %50 من أسهم الشركة، فتضاعف رأس المال وغير اسمها إلى مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية.
وخلال تلك الرحلة الطويلة للكويتية، بقيت مشاكلها عالقة وكما هي! ففي عام 1954 كان رأسمالها 150 ألف دينار وطائرتين من طراز “دي ـ سي 3″، و49 موظفاً، تغطي أربع محطات خارجية، وكان دخل ذلك العام 62 ألف دينار.
وفي عام 1995، وبأصول تزيد على مبلغ 500 مليون دينار، وأسطول من 17 طائرة، منها 15 حديثة جداً، وجهاز عامل يبلغ تعداده حوالي 2750 موظفاً من الكويتيين المؤهلين وبشكل جيد، بالإضافة إلى 500 موظف تحت التدريب والتأهيل وبخسائر ضخمة قاربت 28 مليون دينار كويتي، أعقبتها خسائر عام 1996، التي قدرت بـ 35 مليون دينار.
لقد تفوقت “الكويتية” على باقي مؤسساتنا المدللة من حيث التذرع بحجة الغزو العراقي! والذي قد نتفق مع المؤسسة على قسوة آثاره على الوطن بأكمله، غير أن مسلسل الإخفاقات في “الكويتية” يمتد عبر تاريخها، وليس من بعد الغزو فحسب! ولأسباب إدارية بحتة، بعضها بسبب السياسة التوسعية العشوائية، والتي عبر عنها أحمد المشاري الذي كان يشغل منصب مدير عام المؤسسة آنذاك في حديث أجرته معه مجلة “الحوادث” اللبنانية في نوفمبر 1977، حيث أشار إلى أن العجز في الميزانية والمقدر بأكثر من مليون ونصف المليون دينار يعود إلى توسعاتنا، التي أتت بطائرات جديدة وكبيرة، لا تستطيع أغلب المطارات العربية استقبالها! مضيفاً في موقع آخر من اللقاء أن الخسارة لعام 1978 هي كذلك مؤكدة، في إشارة إلى أن عام 1978 سيصبح لدى “الكويتية” 5400 موظف، وأن العجز سببه التوسع.
وبالطبع، وكأي مؤسسة مدللة، لم يخلُ تاريخ “الكويتية” من روايات الفساد والمخالفات، بدءاً باختلاسات مكاتب “الكويتية” في امستردام، وطرابلس، وكوبنهاغن في عامي 82 و83، ومروراً بالتجاوزات المالية في مكاتب الظهران، والبحرين في عام 1982، ثم حادثة الاختلاس في عام 1992، وكذلك المخالفات المالية المنسوبة إلى المؤسسة في عام 1995 من قبل ديوان المحاسبة، والذي أكد أن المؤسسة قد خالفت القانون الصادر بشأن حماية الأموال العامة، وأنها تدفع رواتب بعض موظفيها من قروض لشراء الطائرات، وأن حساباتها في البنوك مكشوفة! وأيضاً ما كشفه مجلس الأمة من أن “الكويتية” قد قدمت تذاكر مجانية بقيمة 400 ألف دينار، لم تصرف للفئات المنصوص عليها في القرارات الداخلية للمؤسسة! كما أبرزت اللجنة المالية في مجلس الأمة قصة الموظفين الثلاثة وهم: (حمالان) و(سائق) في مكتب “الكويتية” بلندن، والذين يتقاضون 30 ألف جنيه سنوياً!
قد يكون من الطبيعي جداً لأي مؤسسة أن تواجه احتمالات الربح والخسارة، لكن الأمر في حالة مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية قد تجاوز كل التقديرات، حيث إن المؤسسة لم تحقق أرباحاً حقيقية وعبر تاريخها الذي يمتد من عام 1955 وإلى وقتنا الراهن، فيما عدا عام 87 / 88، حيث بلغت أرباحها 12 مليون دينار، وهي أرباح غير اعتيادية، يقال إنها كانت نتيجة لبيع المؤسسة بعض استثماراتها في إحدى الدول الأوروبية، أي أنها أرباح لا تتعلق بأداء أو نشاط جيد ومثمر حقاً.
وللخروج من هذا المأزق، بدأت المؤسسة في العزف على مسألة الخصخصة، حيث بدأت في الحديث عن إعادة بناء أصولها الرأسمالية، وإلغاء رحلاتها غير المبرمجة! والتحول من مؤسسة عامة إلى شركة مساهمة.
وبسبب السلبيات الإدارية، فإن مشروع الخصخصة يواجه صعوبات أهمها على الإطلاق، أعداد العاملين المهولة التي تقارب الستة آلاف موظف، حيث اتبعت المؤسسة سياسة توظيفية عشوائية أدت إلى ذلك المأزق، فعلى سبيل المثال: يتراوح عدد العمال بالنسبة للطائرة 35 عاملاً، وهو عدد معمول به في كل مؤسسات الطيران في العالم، غير أنه في حال “الكويتية” يبلغ عددهم 30 عاملاً أنفقت المؤسسة أموالاً كثيرة على إعدادهم وتدريبهم، ففي تصريح لمدير دائرة شؤون الموظفين في العام 1989، أشار فيه إلى أن “الكويتية” تنفق ما يزيد على ثلاثة ملايين دينار سنوياً في ميادين التدريب!
وتكفي هنا الإشارة إلى فشل خصخصة “كاسكو” لندرك صعوبة وحساسية خصخصة المؤسسة!
ولكن على ما يبدو أن مؤسستنا المدللة هذه لا تأبه بكل تلك الدروس عبر تاريخها الطويل، من خسائر متتالية، إلى قروض مشكوك في قدرة المؤسسة على تحملها، وأيضاً خسائر الاستثمار في “شروق”، ثم استخدام أموال القروض لسداد الحسابات المكشوفة، وكذلك بيع الطائرات المستخدمة بثمن بخس. وسط كل ذلك تصر “المؤسسة” على الاستمرار في رفاهيتها وترفها، فنجدها تفخر بمبناها الجديد الذي كلف 14 مليوناً ونصف المليون، وبلغ فيه سعر متر البناء الواحد 278 ديناراً، وتصر على تذكيرنا دوماً بواجباتها المتجددة واللذيذة، وبأنها كمؤسسة تأتي كثاني الشركات العالمية في الإسكواش!
