
معهد الكويت للأبحاث العلمية
محطتنا الثانية في جولتنا مع مؤسساتنا المترفة والمدللة، ستكون مع “معهد الكويت للأبحاث العلمية”، الذي تجمعه مع “مؤسسة الكويت للتقدم العلمي” قواسم مشتركة عديدة، أهمها: مظهر الوجاهة الخارجي المضلل، والذي يخفي تحته أداء متواضعاً جداً، إن لم يكن مجمداً في أحيان كثيرة، بالإضافة إلى تلك الأسوار الأسمنتية المنيعة، والتي تعزل هاتين المؤسستين عن المجتمع والدولة، وعن المراقبة والمساءلة.
تعود ظروف نشأة معهد الأبحاث لتلك المرحلة الزمنية التي اتسمت بغياب وعي المواطن، وبوفرة في الإمكانات الاقتصادية والمالية، وبمحدودية الجهات الرقابية، فقد نشأ المعهد بناء على اتفاقية مبرمة بين الكويت وبين شركة الزيت العربية – اليابانية المحدودة، وقد ألزمت تلك الاتفاقية شركة الزيت بإنشاء معهد علمي يقوم بالأبحاث العلمية ذات الأهداف الحيوية الموجهة لخدمة الكويت مجتمعاً وأفراداً، وبالفعل فقد تم إنشاء معهد الأبحاث في عام 1967، بإدارة باحثين يابانيين.
وقد بقي المعهد محدد الأهداف والأبحاث التي تركزت حينها على أبحاث الثروة النفطية والسمكية، وذلك لأهميتها الحيوية بالنسبة للكويت، إلى أن تحول المعهد، وبمرسوم أميري في عام 1973، ليصبح تحت إشراف الدولة، ويبدأ في رحلة التوسع العشوائية والمتخبطة، إلى أن صار فيما بعد “معلماً” من معالم البناء والعمران كالأبراج وبرج التحرير، لخدمة “برستيج” البلد وديكوره العلمي والحضاري الشكلي والخاوي من أي إنتاج أو عمل بناء هادف ومحدد، وأصبحت زيارة المعهد، على رأس قائمة الزيارات التي يقوم بها ضيوف الكويت، تماماً كبيت القرين، مع الفارق بالطبع بين المعلمين.
وقد كان لذلك التمدد البحثي العشوائي مواقف، بعضها مؤسف، وبعضها مثير للضحك إلى جانب الأسف، كتصريح أول مدير للمعهد الدكتور عدنان شهاب الدين في ديسمبر 1980، حين أعلن عن صرف نظر المعهد عن تجارب الطاقة النووية والذرية لأنها مكلفة جداً، وتحتاج إلى سنوات عديدة لدراستها، على الرغم من متابعة المعهد لتطور الطاقة الذرية في العالم، على أمل العودة إلى مجال البحث فيها بعد إعداد الإمكانات اللازمة لها، وهو تصريح لا يحتاج إلى تعليق، ويقف شاهداً على تخبط المعهد، وعدم جديته في طرح أبحاث ذات علاقة بالمجتمع الكويتي!
كما أعلن مدير آخر للمعهد هو الدكتور حمود الرقبة في أكتوبر عام 1982 عن تسجيل اختراعات المعهد في الولايات المتحدة، وتسويق اختراعاته عالمياً، واستغلال براءات اختراعات المعهد اقتصادياً، وذلك بلا شك تصريح آخر يؤكد على طبيعة الفوضى التي سار فيها المعهد، والتي جردته من أهدافه الوطنية التنموية المحددة! ومثال آخر أيضاً لتخبط المعهد، جاء في تصريح إدارة المعهد الحالية في مارس 1998، حول مشروع تعده لحصر وتقييم المراعي والغابات في دول مجلس التعاون!
من المؤسف أن ترتكب مؤسسة، يفترض أن تكون علمية المنهج والهوية، خطأ في سياستها التوسعية لا يدل، بل ويتناقض مع “علمية” عقليتها الإدارية! فلقد أصر المعهد على التوسع في أبحاثه بصورة أفقدته توازنه وأهدافه الأساسية، فبالإضافة إلى أبحاث الثروة النفطية والثروة السمكية، هنالك أبحاث تقنية التداخل الضوئي لأشعة الليزر، وأبحاث تتناول إنشاء نظام خاص لنشر المطبوعات الخاصة بالجمعية الكويتية لرعاية المكفوفين، وأيضاً استخدام الأشعة تحت الحمراء في الكشف عن الرطوبة، وأيضاً تطوير بحوث مساعدة المعوقين بالاستفادة من التقنيات الحديثة، وكذلك أبحاث تتعلق بتطوير نظام آلي لنقل المسافرين والشحن، وأيضاً حل مشكلة ردم النفايات في القرين، بالإضافة إلى تخضير وتجميل مجمعات الأسواق وطرق المشاة ومواقف السيارات والممرات التي تربط بين أجزاء المدينة! وأيضاً تشخيص الحمى المالطية، والاستفادة من تقنيات الهندسة الوراثية، بل وحتى أبحاث في “تقنية” كرة القدم لفريقنا الوطني، حيث توصل المعهد بعد دراسات كلفت الدولة ثلاثة ملايين دينار لاستخدام نجيل القطع في الملاعب الرياضية لحماية اللاعبين من إصابات الملاعب!
ميزانية معهد الأبحاث فلكية في أرقامها، خاصة لدى مقارنتها بإنجازات المعهد المتواضعة جداً، فقد بلغت الميزانية عن السنة المالية 98/1999 عشرين مليوناً واثنين وسبعين ألف دينار كويتي، وبلغت مصروفات المعهد عن السنة نفسها عشرين مليونا وثلاثمئة وستة وتسعين ألف دينار، على الرغم من إصرار مدير المعهد الحالي الدكتور عبدالهادي العتيبي، على أن المعهد قد حقق عوائد مالية من خلال مشاريعه، وبعكس ما أشار إليه ديوان المحاسبة في أكثر من تقرير عن المعهد، حول التجاوزات المالية والفنية لما يتعلق بحساب المصروفات، أحدها المطالبة التي رفعها ديوان المحاسبة في عام 1994 لتحديد المسؤولية في تجديد عقد إيجار السكن الخاص بمدير المعهد السابق، والذي كان بإمكان المعهد إلغاؤه منذ 31/7/1988، وهي تجاوزات يزخر بها تاريخ المعهد الذي تجاوز عامة الثلاثين، وتتفاوت بين إقامة حفلة عيد ميلاد أحد رؤساء أقسام المعهد، وبين إهدار المعهد لنصف مليون دينار على مشروع أثبت فشله في أمريكا واليابان وأوروبا!
قد نتفق جميعاً مع إدارة معهد الكويت للأبحاث حول ضرورة البحث العلمي، وأهمية الارتقاء مع سلم التكنولوجيا والعلم! لكننا نختلف معه حول الأسلوب الذي طالما تبناه المعهد، والذي يستهلك ما يقارب العشرين مليون دينار سنوياً، وبحيث أعلن المعهد عن ميزانيته للأعوام العشرة الأولى، والتي كانت مئة وخمسين مليون دينار، وبعدد من الأبحاث تجاوز الثلاثمئة بحث علمي، وفقاً لتصريح مدير المعهد في عام 1986 أثناء افتتاح المبنى الجديد!
مما يدفعنا لتساؤل منطقي حول أثر كل تلك الأبحاث في بنية المجتمع الكويتي العلمية والبحثية! وأين هو “المواطن المبدع الذي يتبنى الأسلوب العلمي في تفكيره وفي حياته”، والذي طالما أشارت إليه خطب السادة مدراء المعهد، ونصبته هدفاً من وراء إنشاء وإقامة معهد الكويت للأبحاث العلمية؟ وأين “هو ربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات التنمية”، وكما يردد دائماً مجلس أمناء معهد الكويت للأبحاث العلمية؟!
لا شيء من ذلك ملموس وظاهر، ومما دفع إدارة المعهد في الآونة الأخيرة لأن تنتهج سياسة الابتعاث إلى خارج الكويت، وذلك بهدف النهوض بالبحوث العلمية والتطبيقية لخدمة الاقتصاد القومي، حيث أعلن نائب المدير في نهاية عام 1997 خطة المعهد العلمية في ابتعاث 57 مبتعثاً من معهد الأبحاث لنيل الدكتوراه والماجستير، في محاولة أخيرة من المعهد لتطوير البحث العلمي، وتحديد متطلبات تنمية وتطوير الموارد البشرية، للمجتمع الكويتي في ما وراء البحار، وذلك بالتأكيد كان شر البلية الذي أضحكنا وأبكانا معاً!
