
وسط جدل (البنج بونج) الذي دار مؤخراً بين النائب مشاري العصيمي من جهة، وبين إدارة مؤسسة التأمينات الاجتماعية من جهة أخرى. يقف المواطن مشدوهاً أمام تلك التهم التي وجهها النائب الفاضل للمؤسسة، التي فتحت بدورها ملفاتها مستعرضة ما قد يدحض حجة واتهام النائب.
فبينما يرى النائب أن خسائر المؤسسة قاربت ما يعادل الـ 280 مليون دينار كويتي، أو 950 مليون دولار أمريكي، يقول المدير العام للمؤسسة: إن أرباح المؤسسة عن السنة المالية 96/1997 بلغت 255 مليون دينار. كذلك يتفق ديوان المحاسبة مع النائب “العصيمي” حيث يرى الديوان أن نشاط المؤسسة يغلب عليه طابع المضاربة، مما كبد المؤسسة خسائر بلغت 190 مليون دينار خلال شهر يونيو 1997 فقط!! وهو أمر تنفيه المؤسسة والتي ترى أنها كانت تهدف من وراء تلك المضاربة إلى حماية أصولها الاستثمارية وذلك بتفويض من اللجنة العليا للاستثمار!!
مؤسسة التأمينات الاجتماعية هي واحدة من مؤسسات الوطن الفتية عمراً وجوهراً. وهي واحدة من المؤسسات التي حاول مؤسسوها أن ينأوا بها عن روتين الأداء وأسلوب العمل المتبع في مؤسسات الدولة الأخرى!! لذا فقد كانت دائماً محط إعجاب من المواطنين لأسلوبها المتبع في الإدارة والعمل!! ولعلَّ ذلك هو الذي دفع بالكثير إلى تتبع حوار المؤسسة مع النائب مشاري العصيمي وكلهم أمل في أن يكون هنالك ثمة لبس أو سوء فهم أدى إلى ما أثير مؤخراً في شأن ذمة وأمانة المؤسسة!!
ومهما كانت نتائج ذلك (الحوار) الساخن، فإن النائب “العصيمي” قد أثار في حديثه مسألة، نتمنى جميعاً لو أن مؤسسة التأمينات تتداركها، قبل أن تدرج هذه المؤسسة ضمن قائمة مؤسسات الدولة الأخرى، والتي نخر أساساتها الفساد والتسيب والأداء الإداري الرديء!! فالنائب “العصيمي” يرى في خسائر التأمينات نتيجة طبيعية للاستفراد بالرأي وغياب الرقابة!! وهما ولا شك آفة كل مشاكلنا وإخفاقاتنا!! غير أن الصورة التي تم على ضوئها وضع اللبنات الأولى لمؤسسة التأمينات الاجتماعية تجعلنا ندهش لسقوط مؤسسة كهذه في خطيئة الرأي الواحد.. والقرار الأوحد!! لقد أصبح الفساد، والنهب، والتسيب هو القاعدة، وأصبحت قضاياه قضايا رأي عام، خاصة في المرحلة التي تلت كارثة الغزو. ولم يعد بالإمكان إخفاء أي من تلك التجاوزات بدءاً بالسرقة الكبرى، أو ما أطلق عليه النائب “العصيمي” بسرقة العصر ومروراً بخس وخضار وزارة الدفاع، ثم وصولاً إلى (الشكوك) التي أثيرت مؤخراً حول ذمة مؤسسة التأمينات!! غير أننا وللأسف ما نزال نعالج نتائج تلك الإخفاقات والتجاوزات وليس أسبابها، والتي يأتي في مقدمتها ما ذكره النائب “العصيمي” من أسباب مبعثها الرئيسي الاستفراد بالرأي وغياب الرقابة!!
فعلى الرغم من أننا رسمياً نتمتع بنظام ديمقراطي، أساسه الحوار والتشاور والمساءلة، إلا أننا وللأسف الشديد لا نزال أسرى ثقافة الاستفراد بالرأي. وذلك ما تؤكده وقائع كثيرة، أحدها فاكس الخفجي المشهور، الذي خرج من مدينة الخفجي على الحدود مع السعودية في يوم الثاني من أغسطس 1990، متجهاً إلى لندن، حيث مكاتب الاستثمار التي تدير حصة الأجيال القادمة من ثروة الوطن، داعياً إلى إلغاء صيغة وروح التشاور والإجماع من استثماراتنا، ومعززاً ثقافة الاستفراد والرأي الواحد، حين أعلن ذلك الفاكس تقليص مسؤولية إدارة الاستثمار، وتحديدها بشخصين فقط بالإضافة إلى وزير المالية آنذاك!!
كذلك فقد أثار النائب “العصيمي” في حديثه عن استثمارات مؤسسة التأمينات الاجتماعية، التحذيرات التي أوردها تقرير ديوان المحاسبة عن السنة المالية 95/1996، بخصوص عدم وجود آلية رقابية مركزية داخلية لدى إدارة المؤسسة وعدم وجود خطة استثمارية واضحة، مما يجعل المؤسسة غير قادرة على تقييم توزيع مخاطرها، ولا سيما عند دخولها في أدوات استثمارية خطرة!! وهو أيضاً ما أنكرته إدارة المؤسسة!!
كم نتمنى لو أن (الحوار) الساخن بين الطرفين، يتجاوز خانة التهم والإنكار، وأن نحتكم إلى لغة الأرقام في تقدير تجاوزات مؤسسة التأمينات ومخالفاتها، وهي لغة لا شك أن النائب “العصيمي” قد تفوق وبرع في اتقانها أكثر بكثير من إدارة المؤسسة، كما تابعنا وقرأنا جميعاً!!
