
لا يشك أحد على الإطلاق في خطورة التصنيف البشري والمجتمعي القائم على أساس مذهبي أو عقائدي بحت. بيد أن تقييماً مذهبياً بحتاً يعتبر أمراً مخالفاً للدستور وللشريعة في آن واحد. وانطلاقاً من إيمان الكثيرين في هذا الوطن بخطورة الانزلاق في مثل هذا التوجه والاعتقاد، فلقد ارتفعت أصواتهم محذرة وناقدة لذلك النهج الذي أصبحنا نراه ونعيشه من خلال ممارسات وتصرفات وإجراءات رسمية كانت أم شخصية.
ولقد عبر الدكتور عجيل النشمي عميد كلية الشريعة عن ذلك من خلال برنامجه الإذاعي “وقفة دينية” حين أجاب على سؤال لأحد المواطنين حول فضيلة التصدق لطالب العلم في الدول الفقيرة. حيث أجاب عميد الكلية بالإيجاب، غير أنه أكد أفضلية التصدق لطلبة العلوم الشرعية مؤكداً أن لهم أولوية في الصدقة على طلبة العلوم الأخرى!! وتلك دعوة لا تحمل عنصرية مذهبية وحسب، وإنما أيضاً تجاهلاً واضحاً لقول رسول الله “اطلبوا العلم ولو في الصين” ولم يحدد يومها النبي الأمي ماهية ذلك العلم أو تخصصه!!
المؤسف هنا، أن هذا النهج قد استطاع مؤخراً أن يتسلل إلى مؤسسات الدولة وإداراتها بصورة جعلت من الانتماءات الدينية أساساً في التقييم، بل وفي التوزير والتوظيف كذلك. بحيث أفرز ذلك أوضاعاً مؤسفة في وزارات ومؤسسات الدولة، مما انعكس على أداء بعض القياديين فيها.
وزارة التخطيط، هي واحدة من تلك الوزارات التي لا يشك أحد في أن الانتماء الديني البحت (سلفي، إخواني.. إلخ) قد كان وراء تعيينات لقياديين فيها. مما أدى إلى إخفاقات إدارية كثيرة، خلفت أزمات داخلية، واختناقات يتحدث عنها الكثيرون من موظفي هذه الوزارة.
فعلى الرغم مما يمثله الدور الذي تلعبه وزارة التخطيط بشكل عام، إلا أن سيطرة ذلك النهج في التعيين قد أدى إلى تخبط واضح وأفرز وجوهاً أصبحت مصدر قلق وأسى للعاملين في هذه الوزارة. حيث تقوم وكيلة الوزارة المساعدة فيها بالسيطرة على خليط غير منسجم الاختصاصات (إدارية، مالية، فنية، هندسية، تنموية، تدريبية، دولية، وغيرها) بالإضافة إلى إصرارها غير المدروس واللاتخطيطي لفرض تغييرات في الوزارة نتج عنها مجموعة من القرارات العشوائية. كقرار ضبط الدوام، والذي يرى فيه الموظفون أسلوباً استفزازياً، حيث تنقل كشوف الموظفين بين ثلاثة مبان متباعدة، مما دفع بالموظفين لشبه إضراب مطالبين بنظام مدروس ومنطقي في عملية ضبط الدوام.
كذلك تم تطبيق إجراء غريب في دخول الموظفين للوزارة من خلال حاجز تفتيش أشبه بما يستخدم في المطارات، مما يعيق ويؤخر الموظف. هذا بالإضافة إلى الأسلوب الذي تتعامل به وكيلة الوزارة المساعدة مع بعض موظفي الوزارة، مما دفع العديد منهم إلى الاستقالة أو طلب الانتداب أو الانتقال إلى جهات أخرى. أما أكثر تلك الإخفاقات الإدارية غرابة فهي في كون الوكيلة المساعدة في وزارة التخطيط، بلا مسمى وظيفي تتحدد من خلاله مهامها الوظيفية، وحدود نفوذها وصلاحياتها!!
تفاصيل أخرى كثيرة يتحدث عنها العاملون في وزارة التخطيط، عن دلالات ومؤشرات اللاتخطيط في وزارة يفترض أن تكون رائدة في النظام والتنسيق والدراسة. إلا أنها سقطت فيما سقط فيه الكثيرون مؤخراً من تصنيف وتقييم قائم على انتماءات وتوجهات لا علاقة لها بالأداء، ولا بالإدارة والتنظيم.
قد لا تكون وزارة التخطيط هي وحدها التي انعكس ذلك النهج في التعيين على أدائها الإداري بوجه عام. وقد لا يكون المثال الذي استخدمناه في توضيح تبعات ذلك التخبط مثالاً مقتصراً على وزارة التخطيط فالمركزية التي تمارسها وكيلة الوزارة المساعدة قد تكون موجودة في وزارات ومؤسسات أخرى في الدولة.
غير أنها ستبقى أكثر بروزاً في حالة وزارة كوزارة التخطيط يفرض عليها دورها أن تكون قدوة ومثالاً لمؤسسات الدولة ووزاراتها.
لا شك أن حالات مشابهة لحالة وزارة التخطيط هذه آخذة في الازدياد. وهو أمر يتطلب تدخلاً مباشراً من صناع القرار في هذا الوطن للخروج من دائرة الانتماءات الضيقة، أياً كان منبعها، في سبل بناء نظام إداري فعال ومتعاون.
قد يحاول البعض إنكار اعتمادهم على انتماءات عقائدية ومذهبية عند تحديد أهدافهم وآرائهم. غير أن الشواهد المحيطة بنا لن تجعل من إنكارهم هذا مهمة سهلة. ومن هنا فإن وزير التخطيط لن يستطيع أن يتحدث عن تجرد مطلق أو موضوعية صارمة في اختياره لمساعديه!! وهو أمر أدى إلى واقع شاذ لوزارة تخطيط.. بلا تخطيط!!
