الدعم الاقتصادي

الدعم الاقتصادي
وتعزيز مسيرة السلام في الشرق الأوسط
شهد المؤتمر الدولي الخاص، الذي كانت قد دعت له الإدارة الأمريكية، واستضافته، يوم الجمعة، بمقر وزارة الخارجية الأمريكية، “بواشنطن”، بهدف استقطاب الدعم المالي اللازم لتحقيق الانتعاش الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة إبان فترة الحكم الذاتي الانتقالي، شهد نجاحاً ملحوظاً بإعلان كل من الولايات المتحدة، اليابان، المجموعة الأوروبية، مجموعة الدول الإسكندنافية، المملكة العربية السعودية، البنك الدولي وإسرائيل عن التزامها بتقديم مساهمات لهذا الغرض تبلغ في جملتها ما يقارب البليوني دولار، الأمر الذي أثار تفاؤلاً شديداً في أوساط الإدارة الأمريكية بإمكانية النجاح، من خلال استقطاب المزيد من المساهمات بل وربما تجاوز مبلغ الـ 2.4 بليون دولار الذي توصلت تقديرات البنك الدولي إلى احتياج متطلبات التنمية في الضفة الغربية وقطاع غزة إليه، على مدى فترة الخمس سنوات المقبلة التي يشملها اتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني… ولعلَّ أكثر ما يسترعي الانتباه فيما يتعلق بهذه التظاهرة الدولية الفريدة هو دخول المملكة العربية السعودية طرفاً فيها بالتزامها بتقديم مبلغ مائة مليون دولار للسنة الأولى، مع تلميح إلى إمكانية استمرار نفس القدر من الدعم سنوياً على مدى العشر سنوات القادمة… وتكمن أهمية هذا الحدث في أنه يحمل في طياته بداية النهاية للمقاطعة السياسية والدبلوماسية والمالية التي كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد فرضتها على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أثر ذلك الموقف المخزي الذي كانت الأخيرة قد اتخذته إبان اندلاع أزمة الخليج… وبما أن السعودية تمثل أحد أهم مراكز الثقل السياسي والاقتصادي في الخليج، فإن من المتوقع أن تحذو بقية الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي حذوها وأن تبادر إلى الإعلان عن التزامها بالمساهمة المالية في إنجاح مشروع الحكم الذاتي الفلسطيني، وهو الأمر الذي لن يخلو من بعض الحرج بالنسبة للكويت، التي لا يزال لطعنة الغدر الفلسطينية مرارة العلقم في مشاعرها.. ولربما كان من الأفضل لو أن المساهمة السعودية جاءت في إطار جماعي تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، على غرار الكيفية التي تقدمت بها دول أوروبا الغربية بمساهمتها، فخطوة مثل هذه فوق أنها تساعد على تلافي الحرج على الصعيد الفردي، تخدم غرض إظهار دول مجلس التعاون الخليجي بمظهر المجموعة الإقليمية المتماسكة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً…
إن هذا النجاح السريع لجهود استقطاب الدعم المالي لمشروع الحكم الذاتي الفلسطيني الانتقالي إنما يعكس مدى حرص المجتمع الدولي على إنجاح ذلك الاتفاق التاريخي بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والذي سيدخل حيز التنفيذ في الثالث عشر من أكتوبر الجاري، باعتباره يمثل اللبنة الهامة والعتبة الأساسية التي يمكن أن تلج بمنطقة الشرق الأوسط آفاق السلام الشامل المأمول.. وبلا شك فإن حصول منظمة التحرير الفلسطينية على الدعم المادي الملموس سيوفر لها الركيزة الأساسية التي تحتاجها كي تترجم اتفاق واشنطن إلى واقع محسوس يسهم في التفاف الشارع الفلسطيني حولها، بشكل يمهد أمامها سبل اجتياز فترة الاختبار الانتقالية بنجاح واجتياز الألغام الأمنية والسياسية التي قد تعترض مسار هذه الفترة.. وبالواقع المحسوس فإننا نعني أحداث التحولات الجذرية في البنية الاقتصادية للأراضي المحتلة بما ينعكس بشكل سريع على المستوى المعيشي بالنسبة للمواطن العادي سواء كان ذلك على صعيد توفيرفرص العمل والنهوض بالقدرات الإنتاجية أو على صعيد توفير الخدمات الأساسية والضرورية.. وغني عن الذكر أن في تحقيق الانتعاش الاقتصادي يكمن المفتاح الأساسي لأبواب الاستقرار أمنياً كان أم سياسياً، وذلك أن الحماس الذي استقبلت به الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة أنباء اتفاق “واشنطن”، برغم مخالبه الظاهرية، إنما يعكس رغبة هذه الجماهير العارمة في تغيير الواقع المؤلم الذي ظلت ترزح تحته على مدى الستة والعشرين عاماً الماضية، ويعبر عن إحساسها بأنها قد أصبحت على مشارف تحقيق تطلعاتها وطموحاتها القومية المشروعة.. ولكن كانت القوى المعارضة للاتفاق الفلسطيني – الإسرائيلي، وعلى رأسها حركة “حماس” الأصولية قد أخذت تستشعر انحساراً في نفوذها وسط هدير التأييد الذي انطلق من طرقات غزة والضفة الغربية، فإن ذلك لا يمنع من أنها ستظل تتحين كل فرصة تسنح لإجهاض هذا الاتفاق وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وبالطبع فإنه ليس هناك ما يمكن أن يصب في مصلحة هذه القوى المعارضة أكثر من أن تشهد جهود الإنعاش الاقتصادي في الأراضي المحتلة تعثراً، وأن يحل بالتالي اليأس محل الأمل، ويسود الإحباط بصورة تؤدي إلى انقضاض السامر من حول منظمة التحرير الفلسطينية… ولعلَّ مخاوف الفشل هذه، مقرونة بالإدراك لصعوبة المهمة، قد حفزت منظمة التحرير الفلسطينية إلى إطلاق صيحة تحذير فحواها أن ما تحتاجه جهود التنمية الاقتصادية في الأراضي المحتلة يزيد بمقدار الضعف عن ذلك المبلغ الذي رصدته تقديرات البنك الدولي…
وعلى صعيد آخر، تجيء هذه الهبة الدولية الرامية إلى إنعاش الاقتصاد الفلسطيني، بمثابة الكابوس بالنسبة للأردن، من منطلق أن النتائج المترتبة عليها قد تؤدي إلى تهميشها اقتصادياً وإلى تركها في العراء… ولا أظننا نتجاوز الحقيقة إن قلنا أن المخاوف الأردنية في هذا الصدد قد كانت العامل المساعد على دفع الأردن إلى التعجيل بتوقيع اتفاق أجندة السلام مع إسرائيل في اليوم التالي مباشرة لتوقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي.
فالأردن، التي تتمتع بأطول حدود مشتركة مع الأراضي المحتلة، والتي يشكل الفلسطينيون حوالي نسبة الـ٪50 من سكانها، تشعر بأنها الأكثر تأهيلاً وأحقية للإفادة من أية ثمار اقتصادية تجنيها الأراضي المحتلة، ولكنها، في ذات الوقت، تحس بأن الترتيبات الاقتصادية الكبرى التي يجري إعدادها حالياً، قد تتجاوزها… الأردن تدرك بأن الضفة الغربية وقطاع غزة تتيحان سوقاً جذابة للمنتجات الأردنية، غير أن السلطات الإسرائيلية تعمل على تقييد حجم الواردات الأردنية إليها بـ 15 مليون دولار سنوياً…. ومن جانب آخر، فإن الأردن تخشى من أن إسرائيل ستواصل فرض هيمنتها الاقتصادية على الأراضي المحتلة، وهو ما سبق أن توصل إليه تقرير أصدره البنك الدولي مؤخراً استناداً إلى ترجيح فوز إسرائيل بغالبية التعاقدات الخاصة بأعمال الإنشاء والتعمير وإقامة البنيات الأساسية في المجالات الصناعية والخدمات.. وعليه فإنه لم يكن غريباً أن تحرص الأردن على وضع بند التجارة مع الضفة الغربية وقطاع غزة على رأس أجندة مفاوضاتها مع إسرائيل، وأن يدعو ولي العهد الأردني، الأمير حسن إلى اعتماد مبدأ التجارة الحرة في المنطقة، وإلى ضرورة أن تشمل المساعدات التنموية تلبية احتياجات جميع الدول في المنطقة، وألا تقتصر فقط على الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن يراعي في هذه الجهود التنموية كسر الاحتكارية بحيث لا يصبح في وسع إسرائيل، بحكم ما تملكه من إمكانات وتقنيات لا تتوفر لغيرها، الاستئثار بنصيب الأسد من ثمار تلك الجهود، واتخاذ الكيان الفلسطيني كحصان طروادة لتغزو به السوق العربية…
إن حرص الأردن على أن يكون لها نصيب في الكعكة الاقتصادية التي بدأت روائحها في النفاذ، وقد حفزها لأن تبذل في الأيام الأخيرة نشاطاً محموماً، وأن تسعى بشكل مكثف كي تصل مع إسرائيل إلى صيغة تفاهم تتيح لها موقعاً في الترتيبات الجديدة.. وفي هذا الإطار يمكن للمرء أن يفهم جانباً من سر ذلك اللقاء الذي قيل أنه تم في الخفاء بين العاهل الأردني ورئيس الوزراء الإسرائيلي في الأسبوع الماضي، وأن يستوعب أهمية الاجتماع الذي تم برعاية من الرئيس كلينتون، كلا من ولي العهد الأردني ووزير الخارجية الإسرائيلية في البيت الأبيض يوم الجمعة، والذي تمخض عنه اتفاقهما على إنشاء لجنة اقتصادية مشتركة بين بلديهما، في وقت كان يجب أن تكون الأولوية فيه ممنوحة للتوصل إلى اتفاق حول المسائل الأمنية والحدودية…
