يوم صَمَتَ الشارع العربي؟!

يوم صَمَتَ الشارع العربي؟!
الحراك الطلابي، الذي تفجّر غضباً وسخطاً على همجية وجرائم الكيان الصهيوني، ليس غريباً ولا مُستَحدَثاً، فلطالما كانت للحركات الطلابية موجات ثورية حرّكت الساحات السياسية، وأسقطت أنظمة وأحدثَت تغييراً، من فيتنام إلى الصين، ومن دول الشرق الأوسط إلى الشرق الأدنى.
بعض تلك الاحتجاجات الطلابية استطاعت أن تفرض تغييراً سياسياً أو اجتماعياً أو فكرياً كان سائداً، لكنه كان يشكّل مصدر رفض من قِبَل جماعات طلابية رأت أن دورها في التغيير قد حان، وكما حدث في عام 1960، حين وقف أربعة طلاب سود في وجه قوانين الفصل العنصري في إحدى جامعات الولايات المتحدة، حيث كانت القوانين حينها تحظر جلوس الطلاب السود على طاولات غداء مشتركة مع أقرانهم البيض، وقد شكّلت حينها وقفتهم تلك واحتجاجهم دفعة كبيرة لإلغاء قوانين الفصل العنصري فيما بعد.
أما أشهر الاحتجاجات الطلابية فقد كانت في ربيع 1968، والتي انفجرت في فرنسا لتجتاح فيما بعد عدة دول عبر العالم، ولتتحول فيما بعد إلى أشهر ثورة طلابية، استلهم منها الثوار فيما بعد أُسس وأدوات التغيير.
ومن منّا لا يتذكّر هنا ساحة تيان آن مِن(1) في الصين، حين اجتاحت مظاهرات طلابية بكين مطالبة ومؤيدة للديمقراطية.
لعل القاسم المشترك في كل هذه الاحتجاجات الطلابية وغيرها، عبر التاريخ وفي كل الدول، أنها تأتي دائماً حين يتعطّل الفعل السياسي، ويتجمّد عمل وأداء الأحزاب السياسية، وتغيب العدالة من كافة قواميس أهل السياسة والسلطة.
حدث ذلك في الولايات المتحدة إبان حقبة الفصل العنصري وحرب فيتنام، وحدث في فرنسا في ظل غياب العدالة السياسية والاقتصادية، كما حدث لأسباب مشابهة في جنوب أفريقيا وفي الصين وإيران وبريطانيا وبولندا وغيرها.
اليوم يخرج عشرات الآلاف من الطلاب في جامعات أمريكية وفرنسية وبريطانية وكندية، منددين بالمذابح وجريمة الإبادة في غزة، والسؤال المنطقي هنا يدور حول الأسباب، التي جعلت الجامعات العربية صامتة وبلا حراك تجاه جريمة إبادة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ويتم بث تفاصيلها وصورها الدامية يومياً عبر كل القنوات الإخبارية، ويجري تداول ما تحجبه قنوات الأخبار الرسمية على وسائل التواصل الإلكتروني وبتفاصيل دامية أكثر بشاعة؟
منذ ما يقارب 23 عاماً استشهد الطفل محمد الدرة بنيران الغدر الصهيونية، وخرجت الساحات العربية عن بكرة أبيها، طلابية وشعبية، بتظاهرات تُندّد وتدين مَقتَلَه، وتُطالب بالعدالة وبوقف العدوان، وبحيث أعطى ذلك حينها دفعة للانتفاضة الثانية في الأراضي المحتلة، والتي بدأت عقب استشهاده بيومين، واليوم، وفي أحداث غزة الأخيرة، يقف والد محمد الدرة مودعاً عدداً من أفراد أسرته في مدينة دير البلح وسط مدينة غزة، جميعهم قُتِلوا خلال قصف الكيان الصهيوني للقطاع، ومع ذلك يسود الصمت ساحات العرب، ويغادر الحماس الكيانات الطلابية في كل الجامعات عبر الوطن العربي، ومعها يستمر السؤال العالق حول الأسباب، التي زرعت الجمود في قلب المواطن العربي تجاه ما يحدث من أهوال في غزة، وبحيث لم تخرج مظاهرة طلابية من جامعة عربية واحدة تستنكر أو تندد أو حتى تغضب من الأحداث والموت، الذي يحاصر الأطفال والنساء والشيوخ في غزة ورفح والضفة الغربية وجنوب لبنان، وبخلاف التظاهرات في جامعة الكويت، التي فتحت نافذة في جدار الصمت الطلابيّ، فإن الأخبار لم تتداول حراكاً طلابياً فعلياً.
لقد تم تخدير العالم العربي، بشوارعه وساحاته ومنابره ومآذنه وجامعاته، بطرق مختلفة، من اختناق اقتصادي، إلى تجهيل تعليمي، وتغييب فكري، من ضيق في المعيشة وفسحة العيش في بعض دول العالم العربي، إلى تخدير تام بالمادة والكماليات والاستهلاك المُفرط، والانشغال بالتافه من الرأي والرؤية في دول “الرفاه” العربية.
صمتت الساحات العربية، حتى عن إصدار صوت يُندّد أو يستنكر، بعد أن أنهكتها أنظمة سياسية فاسدة، وروح مهزومة، وتنظيمات انتهازية، وأزهقت روح الحماس فيها سنوات طويلة من العسر المالي والضيق الفكري. والأمية التعليمية، والاستهلاك الجشع، وأمور أخرى كثيرة عزّزت لدى العامة ظاهرة الصمت عن الحق والحقيقة، وجعلتها مشغولة حتى الثمالة عن مساندة العدالة في ميزانها.
